وقع الانفجار في مرفأ بيروت في نقطة تدهور اقتصادي خطير في لبنان. وتقدر الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الانفجار في المرفأ بحوالي خمسة مليارات دولار، وذلك من دون تقدير كامل الأضرار الشاملة للأضرار التي لحقت بشريان الحياة الرئيسي للاقتصاد اللبناني. على الأرض، لا يزالون يخلون الأنقاض ويبحثون عن المفقودين، ولكن بالنظر إلى المستقبل، من الواضح أن إعادة الترميم ستكون لفترة طويلة ويجب أن تعتمد على مساعدة كبيرة من المؤسسات الدولية.
حتى قبل الانفجار، كانت حكومة لبنان تجري مفاوضات صعبة مع صندوق النقد الدولي بشأن رزمة مساعدات بقيمة حوالي 20 مليار دولار خصصت لمساعدة الدولة في تجاوز أزمة اقتصادية خطيرة تفاقمت بسبب وباء الكورونا. كانت الصعوبة الرئيسية في المفاوضات هي قدرة حكومة لبنان على صياغة اتفاق حول الإجراءات التقشفية التي طلبها الصندوق منها. قد يصبح لبنان بعد الانفجار أكثر تضرراً وأكثر ارتياحاً للتغييرات التي ستفرض عليه من الخارج.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

الانفجار الذي سبق الانفجار

يقدر حجم الاقتصاد اللبناني بحوالي 56.6 مليار دولار فقط. فمن حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، يدور الحديث عن أقل من الربع عن إسرائيل. الديْن القومي فيه هو من بين أعلى المعدلات في العالم بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي (150٪) والنقص في المساواة فيه متطرف مقارنة مع باقي الدول.
يعتمد اقتصاده على التجارة، البنوك والسياحة المستوردة المتداعية، اذ تتمثل فروع التصدير الرئيسية في الذهب والمجوهرات، خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط. وفقًا لتقديرات البنك الدولي، يعيش حوالي 45٪ من سكان لبنان تحت خط الفقر وحوالي 22٪ يعيشون في فقر مدقع. في العقد الماضي استوعب لبنان حوالي مليون ونصف المليون لاجئ سوري.

متظاهرة في لبنان ضد السلطة المتهمة بالازمة الاقتصادية الحادة في الدولة حسب ادعائهم (تصوير: AP Photo / Hussein Malla).

 

قبل جائحة الكورونا، وصلت نسبة البطالة الرسمية في لبنان الى 6.2٪، لكن التقديرات الأكثر واقعية تشير إلى أن خُمس القوة العاملة في لبنان عاطلة عن العمل وحوالي 30٪ من الشباب. على أي حال، منذ انتشار الكورونا، قفزت نسبة البطالة الرسمية أيضًا إلى حوالي 30٪.

المدينة التي تم بناؤها حول المرفأ

كان مرفأ بيروت الذي دُمر بالفعل في الانفجار شريان الحياة بالغ الأهمية للدولة في الواقع، بيروت هي مدينة تم بناؤها حول المرفأ. لا يوجد في لبنان نفسها صناعة هامة ولا زراعة على نطاق واسع. ويعتمد اقتصادها على استيراد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، مع انخفاض الفروع التقليدية في لبنان لسنوات عديدة.
في مرفأ بيروت دخلت في عام 2018 بضاعة بحجم 7 مليون طن في السنة، حوالي ربع ميناء حيفا على سبيل المثال. ومع ذلك، يقول البروفيسور ايال زيسر مختص في شؤون سوريا ولبنان في جامعة تل ابيب ان "مرفأ بيروت هو احد المرافئ الهامة في المنطقة".
لكي ندرك بعمق أسس الاقتصاد اللبناني بشكل عام وبيروت بشكل خاص، يجب أن نعود 250 سنة إلى الوراء. كانت بيروت آنذاك قرية صغيرة عند سفح جبل لبنان بين مدن لوائي صيدا في الجنوب وطرابلس في الشمال. "في نهاية القرن الـ 18، تطورت صناعة تربية الحرير فوق الجبل"، يوضح زيسر. "بيروت، التي كانت قريبة من منحدرات الجبل وبعيدة عن السيطرة العثمانية، كانت مثالية لمرفأ تجاري. مثل حيفا، بيروت هي في الواقع مدينة تم بناؤها حول مرفأ".

البروفيسور ايال زيسر (تصوير بلطف من صاحب الصورة)

"كيف يمكن أن نعرف أن قوة بيروت تصاعدت في مطلع القرن الـ 19؟ اتى اليهود إليها. في ظل الحكم الذاتي لجبل لبنان، ازدهرت مدينة المرفأ والقت بظلالها على شقيقتيها الكبيرتين طرابلس وصيدا"، يقول زيسر. "وصل اليهود وانشأوا فرع البنوك الذي اصبح رمزا من رموز بيروت".
التنوع العرقي في لبنان، الذي يرتبط فيه السكان المسيحيون بأوروبا، ويرتبط السكان الشيعة والسنة بجميع دول الخليج، جعل من بيروت مركزًا تجاريا مزدهرًا في سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين.
الواقع أن هذا التنوع الديمغرافي هو أساس الدولة اللبنانية، "في لبنان هناك حزب الله من جهة والسفارة الأمريكية من جهة أخرى". يقول زيسر "إنهم على علاقة مع الجميع. لأنه متعدد الطوائف ومتعدد الأوجه، وكل واحد يجد في لبنان ما يريده. هناك مطاعم فرنسية ممتازة. وهي أيضًا عاصمة المثليين في الشرق الأوسط. دولة تمارس الحرية الدينية ولديها عدد كبير من العلمانيين والليبراليين. المسيحيون على علاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا. المسلمون على علاقة مع الشرق الأوسط. كل واحد يعيش حياته لذا فهو مكان حيوي جدا.

"عندما يكون هناك كورونا فانت بحاجة إلى حكومة مركزية. في لبنان لا توجد مدارس حكومية، فكل طائفة لها مؤسساتها الخاصة بها. وعندما يكون هناك فقر وعولمة أو وباء، فإن هذا العمل يكون عالقا"

عدم الانتماء الى القومية اللبنانية ليس فقط خيالا. من نواحٍ عديدة، هو جزء من الأسباب التي أدت إلى تدميره: "الحقيقة هي أن لبنان ليس دولة، بل مجموعة من الطوائف التي لا يوجد طائفة منها قوية بما يكفي لفرض نفسها على الآخرين". يقول زيسر: "يدار من قبل بعض العائلات الكبيرة التي عاشت فيه 1000 عام. هذا الوضع ينتج عنه حكومة ضعيفة اذ يقلص الانقسام العرقي من قدرته على جباية الضرائب. بالنسبة للتجار فان هذا الامر مريح، فالحكومة لا تزعج أحدا. الضرائب منخفضة وعندما يعمل هذا فانه يعمل بشكل جيد.
"السعوديون والعراقيون يشترون من أوروبا، والتجار اللبنانيون هم الوسطاء. على بوليصة الشحن يظهر اسم اللبناني الذي يقتطع عمولته. لكن يوجد هنا تمويه لان البضائع لا تتوقف في بيروت بل تواصل طريقها شرقا".

"عندما يكون هناك كورونا فانت بحاجة إلى حكومة مركزية. في لبنان لا توجد مدارس حكومية، فكل طائفة لها مؤسساتها الخاصة بها. وعندما يكون هناك فقر وعولمة أو وباء، فإن هذا العمل يكون عالقا. لأن لا أحد يريد دفع الضرائب من اجل ان يتمتع بها الآخرون. فعندما يكون الاستقطاب اقوى من الدولة تكون هناك حرب أهلية لمدة 15 عاما تؤدي الى تدمير هذه الدولة"، كما يقول، في إشارة إلى الحرب التي اندلعت في الدولة في سنوات السبعينات.
في الواقع، منذ الحرب الأهلية، كانت السيطرة على مرفأ بيروت نتاجًا لهذا التوازن الإشكالي بين حكومة ضعيفة وانقسام سكاني الى طوائف: "كل رصيف كان ينتمي إلى عشيرة. لا يوجد تنظيم أو اعمال مكتبية تدخل المرفأ". انعكاس الصورة للحكومة اللبنانية أدى في النهاية أيضًا إلى الانفجار المأساوي.​