إن تنظم العمال ومنحهم صوتًا ليسا من الحقوق الأساسية للعمال فحسب، بل يمكنهما أيضًا تحسين أداء سوق العمل –  كما تظهر دراسة شاملة نشرت هذا الأسبوع من قبل منظمة البلدان المتقدمة (OECD). يزعم المؤلفون بأن التفاوض الجماعي يساعد على تحقيق النمو الاقتصادي العام، مما يقلل من مستوى عدم المساواة ويساهم في القدرة على مواجهة تحديات سوق العمل المتغيرة.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

يحلل التقرير المعنون 'مفاوضات في الطريق الى الأعلى' (Negotiating Our Way Up)  علاقات العمل في 36 دولة في المنظمة. ويذكر المؤلفون أن التنظم في نقابات ومنح صوت للعامل تضرر بسبب الضعف العام لعلاقات العمل "التقليدية" في العديد من البلدان وظهور أشكال توظيف جديدة، ولكن هذه التغييرات بالتحديد هي التي تؤكد الحاجة إلى وجودها وتوسيعها.

الحوار في مكان العمل (تصوير: Shutterstock)

الحوار في مكان العمل (تصوير: Shutterstock)

 

يذكر المؤلفون أن علاقات العمل التي تتميز بتغطية واسعة من الاتفاقيات الجماعية (أي نسبة عالية من العمال الذين يستمتعون من ثمار الاتفاقيات الجماعية أو أوامر التوسع) تعزز النمو العام – أي النمو الاقتصادي الذي لا تتراكم ثماره في جيوب قلة بل تصل إلى غالبية السكان من خلال الحفاظ على مستوى عمل عالي، والإنتاجية العالية وانخفاض مستويات عدم المساواة. تستند استنتاجات مؤلفي التقرير إلى النتائج التجريبية حول أداء سوق العمل في مختلف بلدان المنظمة، والتي تنص على أن مفتاح تحقيق النمو الاقتصادي الشامل هو مزيج متوازن من أربعة مكونات رئيسية لنظام علاقات العمل: الاتفاقات الجماعية الموقعة على المستوى القطاعي و / أو القطري، مع الحفاظ على التغطية الواسعة لهذه الاتفاقيات (عادة من خلال آليات توسيع الحكومية)، آليات التنسيق بين الاتفاقيات الجماعية الموقعة في مختلف الصناعات وأماكن العمل، ومرونة الترتيبات القطاعية.

الحوار يحسن نوعية العمل

يُظهر التقرير وجود علاقة بين زيادة تمثيل العمال في صنع القرار في أماكن العمل وبيئة عمل ذات جودة أعلى. وكتب في التقرير "على مستوى الدولة، ترتفع مؤشرات جودة العمل أكثر كلما كانت الاتفاقيات الجماعية أكثر شمولاً". حتى في أماكن العمل التي تشمل آليات تمثيل للعمال والتي ليست اتفاقية جماعية، تميل بيئة العمل إلى أن تكون بجودة أعلى. تشمل مؤشرات جودة التوظيف الحفاظ على سلامة وصحة العامل، وساعات عمل أقصر ومرونة في الجمع بين العمل والمنزل، ومنع تمييز وإساءة للعامل من قبل أصحاب العمل.

رئيس الهستدروت أرنون بار ديفيد: "دليل حاسم على أن الاتفاقيات الجماعية تزيد من الأمن الوظيفي وتحسن ظروف العمل في الاقتصاد"

وفقًا لادعاء مؤلفي التقرير، فإن أحد الأسباب لتحسين نوعية العمل هو الحوار الذي يتم بين العمال وصاحب العمل. وكتب في التقرير "قد تكون هذه الروابط ناتجة عن حقيقة أن أصحاب العمل والمديرين الذين لديهم قنوات اتصال مباشرة مع عمالهم يميلون إلى العمل على تحسين ظروف العمل مقارنة بالشركات التي ترفض الإدارة المشاركة في حوار مباشر مع العمال".

العمال في خط الإنتاج (أوليفيا بيتوسي flash 90)

العمال في خط الإنتاج (أوليفيا بيتوسي flash 90)

 

فصل مؤلفو التقرير بين عدة أنواع من منح صوت للعمال – "صوت تمثيلي"، مثل لجنة العمال، "صوت مباشر" حيث يكون لصاحب العمل حوار مباشر مع جميع العمال المتواجدين تحت إمرته، ونموذج مدمج، حيث توجد أيضًا أشكال مختلفة للحوار المباشر بين العمال وصاحب العمل: يفحص التقرير النماذج المختلفة لتمثيل العمال وفقًا للعديد من خصائص مكان العمل، مثل الحفاظ على السلامة والإساءة في العمل وساعات العمل. وفقًا لمؤلفي التقرير، فإن أماكن العمل التي يتم فيها تمثيل العمال بطريقة مدمجة من قبل لجنة والحوار المباشر مع صاحب العمل هي التي تتمتع بأعلى جودة من مؤشرات العمل.

يعد هذا التقرير جزءًا من عملية "تقرب" منظمة ال- OECD من فكرة العمل المنظم، وقد اكتسبت المنظمة في السنوات الأخيرة تسارعاً في فكرة أن العمل المنظم هو سمة مهمة للنمو بشكل عام، والنمو المساوي على وجه الخصوص. ويلخص التقرير منشورات العديد من المنظمات في السنوات الأخيرة، والتي تشير إلى حاجة منظمات العمال للتعامل مع تحديات عالم العمل المتغير.

"إضافة الى الحد الأدنى القانوني، فإن تمثيل العمال يساهم في تشكيل ظروف العمل من خلال عدد من القنوات"، يقول التقرير. "أولاً، عن طريق المفاوضات الجماعية والإشراف على تنفيذ القرارات المتخذة في هذه المفاوضات. "ثانياً، من خلال تنظيم أصوات العمال والتعبير عنها، سواء عن طريق التمثيل الرسمي للعمال أو عن طريق مختلف أشكال الحوار المباشر بين العمال وصاحب العمل. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحسين ظروف العمل من خلال اثارة المواضيع التي تهم العمال وزيادة وعي الإدارة بهم وإقامة حوار حول الحلول الممكنة للمشاكل التي تنشأ".

سلامة العمل (صورة توضيحية: Shutterstock).

سلامة العمل (صورة توضيحية: Shutterstock).

 

يقدم مؤلفو التقرير على سبيل المثال السلامة في مكان العمل. حيث يزعمون أن التفاوض الجماعي يحسن بشكل كبير السلامة في مكان العمل. وكتب في التقرير: "إن الاتفاقيات الجماعية التي تحتوي على بنود متعلقة بالسلامة تساعد على زيادة وعي العمال بقضايا السلامة، وإنشاء نظام تبليغ على مشاكل السلامة وتقديم حلول لها بالتعاون مع الإدارة، وتحسين شروط السلامة في مكان العمل بشكل فعلي، وزيادة حجم التأمين ضد الإصابات المرتبطة بالعمل".

وفقًا للتقرير، فإن تجزئة عمليات الإنتاج و "اقتصاد اتخاذ القرارات" تتيح للشركاء المختلفين في عالم العمل فرصة لإحياء التمثيل الجماعي للعمال من جديد. 

معدل المتنظمين في انخفاض

يُشير التقرير الى انخفاض حاد في عدد العمال الذين هم أعضاء في نقابات العمال في بلدان المنظمة، من حوالي 30٪ في المتوسط ​​في عام 1985 إلى 16٪ في عام 2018. ونسبة أعضاء النقابات أقل وسط العمال الذي يعملون بأعمال "غير عادية"، مثل العاملين في العقود الخاصة، والعمال المؤقتين ذوي نسبة تنظم أقل ب- 50 ٪ من العمال في عقود العمل العادية. كما انخفضت نسبة العمال الذين تطبق عليهم الاتفاقية الجماعية (رغم أنهم هم أنفسهم ليسوا بالضرورة أعضاء في النقابة) من متوسط 46٪  وسط دول ال- OECD في عام 1985، إلى 32٪ اليوم.

أداة فعالة للتعامل مع التغييرات

على الرغم من تراجع معدل العمال النقابيين، يشيرون في ال- OECD الى أن "النقابات العمالية والمفاوضة الجماعية ضرورية لمساعدة العمال والشركات على التكيف مع التغيرات في سوق العمل والحفاظ على النمو الشامل في عالم العمل. حسب اقوالهم، تمنح الاتجاهات الجديدة في عالم العمل، مثل تجزئة عمليات الإنتاج و" اقتصاد صنع القرار" مختلف الشركاء في عالم العمل الفرصة لإحياء التمثيل الجماعي للعمال.

رئيس الهستدروت بار دافيد: "يعزز التقرير العمليات التي تحدث في السنوات الأخيرة في إسرائيل"

أشار رئيس الهستدروت، أرنون بار دافيد، إلى الدراسة التي نشرت قائلاً: "يعزز التقرير العمليات التي تحدث في السنوات الأخيرة في إسرائيل، حيث اختار مئات الآلاف من العمال الشباب، من القطاعات التي لم تتنظم أبدًا، التنظم النقابي في الهستدروت وهم يفهمون مزايا العمل المنظم.  حقيقة تزايد عدد العمال من شركات مختلفة، صغيرة وكبيرة على حد سواء، الذين يختارون التنظم، هو دليل رابح على أن الاتفاقيات الجماعية تزيد من الأمن الوظيفي وتؤدي إلى تحسين ظروف توظيف العمال في الاقتصاد ".

وأضاف بار دافيد: "أرحب بحقيقة أن منظمة دولية ومهمة مثل منظمة ال- OECD تدلي ببيان واضح بأن الاتفاقيات الجماعية ومنظمات العمل تمنح توزان أفضل وأكثر إنصافًا وصحة للعمال وأصحاب العمل والاقتصاد. وسيستمر الهستدروت في العمل من أجل تحسين حالة الانسان العامل وأحوال العمال الضعيفين على وجه الخصوص، وفقط من خلال تعزيز العمل المنظم وتوقيع الاتفاقيات الجماعية القطاعية وأماكن العمل يمكننا أن نواصل القيام بذلك لصالح المجتمع الإسرائيلي بأسره ". 

رئيس المجلس الاستشاري لمعهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية للهستدروت، البروفيسور يارون زليخة قال: "لقد فهم خبراء الاقتصاد في ال- OECD ما كنا نطالب به منذ سنوات عديدة – العمل المنظم القوي، الذي يوازن بين التحيز المفرط للاقتصاد لصالح رأس المال على حساب الأجيرين والمستهلكين، ليس مجرد أساس لمجتمع أكثر عدالة، بل أيضًا شرط أساسي لاقتصاد مزدهر، وإنتاجية عالية وجودة عالية من الوظائف ".