تفتتح الدكتورة كارمل فايسمان حديثنا حول الظاهرة التي تسميها "زومزاتسيا الإنسانية"، بمثال من أوقات أخرى. وتقول وتوضح: "إن الوسيلة الأولى التي تجاوزت سرعة الجسم هي التلغراف"، "فجأة كان من الممكن أن تجتاز الرسالة مسافة هائلة في ثانية. بالنسبة لنا يبدو ذلك بديهيًا، ولكن بالنسبة لأولئك الذين عاشوا في ذلك الوقت كانت تجربة سحرية. تجربة أثارت أفكار التحدث إلى الموتى. كأنما يوجد هنا سحر. إذا كان صوتي يتحرك في الحيز بسرعة من جانب من القارة إلى جانب آخر بلحظة، فقد يتحرك أيضًا بنفس الطريقة في الوقت، ويمكن التحدث إلى الموتى. حول هذه التجربة، تطور كل موضوع السيانس والتواصل مع الموتى".

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

د. كارمل فايزمان: "هناك صراع في داخلنا بين تفكير سريع والجسد الذي يحتاج إلى عملية" (تصوير: باذن المتصورة)

فايسمان هي باحثة ثقافة رقمية ومحاضرة في جامعة تل أبيب. بالنسبة لها، أنشأ دخول تطبيق زوم الى حياتنا شبه مختبر متسارع لفحص عمليات من النوع التي تدرسه منذ عدة سنوات، وفي مركزها اللقاء بين البشري والرقمي. "في السنوات القليلة الماضية، كنت أتعامل مع ما بعد الإنسانية".

ما المقصود؟
"أي، تجاوز التجربة الإنسانية البيولوجية. في الواقع، تم تصميم جميع الجهود التكنولوجية لتحريرنا من القيود البيولوجية.

ومن المثير للاهتمام، أن الوباء الذي يظهر لنا حدودنا البيولوجية يسرّع أيضًا عملية تجاوزنا للحدود البيولوجية.

"إن الوباء يلقي الضوء على غطرستنا، أو سذاجتنا، في الاعتقاد بأننا نستطيع الانفصال عن القيود البيولوجية. نحن بشر. أجسادنا بحاجة إلى أشياء مختلفة وهناك صراع داخلنا بين تفكير سريع وجسد يحتاج إلى عملية".

ماذا يعني "الجسم يحتاج إلى عملية"؟
"كلما حاولنا إجبار الجسم على العيش بوتيرة التفكير، كلما أصبحنا ما بعد- الانسانية. لكي تكون إنسانًا، يجب أن تمر بعملية. الجسم له وتيرته الخاصة لاجتياز شيء ما. أن تكون إنسانًا هي القدرة على المزامنة بين الفكر والجسد. يقفز بعض الناس من شيء الى آخر. في بعض الأحيان يتحدثون عن تجربة الجنون من ناحية، أو الشعور بأن كل شيء يبقى أجوفًا، ويفشلون في عيش الواقع.
"تعتقد في كثير من الأحيان أنه إذا أنهيت بسرعة أشياء كثيرة، فستشعر بالرضا، وستنجز الكثير. ولكن ربما يكون من الأفضل أن نمر بأشياء أقل وأن ننجح في عيشها. واليوم هناك تباطؤ الذي تطور ضد التكنولوجيا، وهناك ادراك معين أنه عندما نكون سريعين جدًا، يتم فقدان شيء ما."

"التجربة الإنسانية ليست مجرد معلومات مختصرة بكلمات"

لحظة، لحظة، نحن نركص مع رؤى لمناطق بعيدة. دعينا نعود الى التطبيق، إلى زوم. اذ أن فكرة مكالمات الفيديو ليست جديدة، فما الجديد الذي يحدث هنا في الشهر الماضي؟
"فجأة فرض علينا القيام بالكثير من الأشياء التي لم نفعلها من قبل باستخدام زوم وشبيهاته. على سبيل المثال، تمرير محاضرة جامعية كاملة أو عرض كوميدي أو وليمة عيد الفصح. فجأة، كل شخص يفعل كل شيء في زوم. هذه المنصة غير مناسبة لهذه اللقاءات. إنها منصة تم إنشاؤها لغرض معين – لجلسات عمل. نحاول أن نستخدمها لأي حاجة التي ليست مناسبة دائما ".

أعط مثالا لعدم التلائم هذا، نحن نتحدث مع بعضنا البعض عن بعد على أي حال، وهو ما يسمح به التطبيق.
"إن الأمر يشبه عيش حياتك كلها في شقة واحدة، وهي تضم محاضرة جامعية، عرض روك، والتحدث إلى صديق، وكل شيء يجري داخل تلك الجدران الأربعة. إلى حد ما، يعزز الزوم شعور رتابة الانعزال في نفس المنزل. ديكور الحياة لا يتغير، وكذلك ديكور الزوم. إنه يسبب جفاف. يجعل الأمر أكثر صعوبة. فكر في الذهاب إلى موعد مع فتاة في الصف في الجامعة، حيث تحدثت أيضًا في وقت سابق إلى الجدة. هل تفهم المشكلة في التجربة؟

في الواقع ، أنت تقولين أن مساحات الحياة المختلفة لدينا تتكيف عادة مع المواقف المختلفة – في الإضاءة والموسيقى والألفة – وقد اختفت جميعها لصالح هذا المستطيل مع الرؤوس المتكلمة.
"هذا صحيح. من المثير للاهتمام أننا بحاجة إلى ديكور مختلف لكل مناسبة. اذ انه على مستوى التفكير، كل شيء عبارة عن معلومات وكلمات. أعطني معلومات مختلفة وكلمات مختلفة وسأرتبها في رأسي. لكن كبشر، لدينا حواس أخرى. نحن بحاجة للتعامل مع المزيد من الأشياء بجميع الحواس. إذا بقينا فقط مع المعلومات، والكلمات، بدون حرارة الجسم، وحجم الحيز، والموسيقى، والإضاءة، والروائح، وما إلى ذلك، بقينا مع تجربة افتراضية وغير حسية. الجسم لا يستجيب لها. نحن نقلد سلوكيات. تجربتنا البشرية متعددة الأبعاد، وليست مجرد معلومات مختصرة بكلمات. "

الأمر أشبه بعيش حياتك كلها في شقة واحدة … كل شيء يجري داخل تلك الجدران الأربعة … فكر في الخروج إلى موعد مع فتاة في الصف في الجامعة، حيث تحدثت أيضًا في موعد سابق إلى الجدة. هل تفهم المشكلة في التجربة؟

وما هي آثار هذه التجربة العارية من تعدد الأبعاد التي تصفينها؟
"في الماضي كان لكل وسيلة اتصال شكل مادي مختلف – السينما لديها عجلة فيلم، للتصوير كان فيلم وللموسيقى شريط. انتقل استهلاك كل واحدة من هذه الوسائط الى أجهزة أخرى، وحدث في أماكن أخرى. الآن، كل شيء عبارة عن معلومات رقمية التي تصل إلى جهاز الكمبيوتر الشخصي. الإنسانية غير معدّة للعيش بهذا الشكل على المدى البعيد."
لماذا؟
"لأن كل شيء يصبح أكثر تجريدًا. نحن بحاجة إلى الأشكال لتصفح المحتوى. وبهذه الطريقة يمكنك أن تشعر وكأنك تنتقل من شيء الى آخر."

عزاء حداد، محادثة مع الجدة، عرض روك

لكن رقمنة جميع الوسائط تسمح بالكثير من الأشياء. فوائدها واضحة. ما المشكلة في ذلك؟
"عندما تقوم بثلاثة أحداث زوم – اجتماع عمل، محادثة مع الجدة، محادثة مع صديق – واحدة تلو الأخرى، فأنت لا تتمكن من التنقل بينهم. تصبح تجربتهم سطحية. الانتقال من رسمي إلى غير رسمي؛ الانتقال بين أدوارك المختلفة بين التحدث إلى الجدة ولقاء الصداقة ولقاء العمل. في كل حدث من هذا القبيل، لدينا دور مختلف، نريد أن نبدو مختلفين، وأن نجلب جزء آخر من شخصيتنا وعواطف أخرى، والآن كل شيء يحدث في مكان واحد، في تسلسل موحد.
"في الروتين العادي، عندما تذهب إلى حفلة، ترتدي ملابس استعدادًا لها، وتبني توقعات؛ عندما تكون في طريقك إلى اجتماع عمل مهم تقوم بإعداد نفسك عقليًا خلال الطريق – ما سأقول وكيف سيبدو، وكيف أقف، ومن سأقابل. في تسلسل الزوم، كل هذا لا يحدث. تخيّل أنك تدخل الى اجتماع مجلس الإدارة وتقدم التعازي وعرض روك بنفس الطريقة ".

لا يوجد في زوم انتقالات ولا اتصالات.
"نعم. كبشر، لدينا سلوكيات تلقائية بناءً على السياق. عندما تدخل مكانًا جديدًا ولا تعرف بالضبط ما يجب فعله، فإنك تقلد دون وعي سلوكيات الآخرين. حاول عالم الاجتماع إيرفينج جوفمان إظهار كيف نغير سلوكنا مقارنة بالآخرين. استعاراته كانت عرض. نحن نقدم عروضًا طوال الوقت. كل ما نقوله ونفعله نحن بحث عن استجابة من البيئة ونكيف أنفسنا. طقوس صغيرة. لدينا إشارة عندما تنزل الستارة، والتصفيق والانحناء. كذلك في الواقع، هناك كيو لجميع أنواع الأشياء، ووقت تحضير. وكل هذا لا يتواجد في الواقع المسطح على الشاشة الذي يتم تشغيلها وإيقافها في لحظة".

عندما تقوم بثلاثة أحداث زوم – اجتماع عمل، محادثة مع الجدة، محادثة مع صديق – واحدة تلو الأخرى، فأنت لا تتمكن من الانتقال بينهم. تجربتهم تصبح مسطحة

كيف تعتقد أن هذه التجربة المسطحة تؤثر علينا؟
"الأشخاص الذين يخوضون الكثير من هذه الاجتماعات لا يتذكرون ما حدث فيها. الذاكرة شيء مرتبط جدًا بالتجربة. نتحدث عن ذلك في التعليم، إن التعلم التجريبي يترك بصمة، بصمة بشرية في الدماغ. في المقابل، عندما تكون الوسائط مسطحة، حتى لو درست المادة، فلن أتذكرها. نحن لسنا آلة معلومات. نريد حقًا أن نعتقد أننا نتعلم مثل الكمبيوتر، لكن هذا ليس صحيحًا. نحن لا نعمل بهذه الطريقة.
"لكي نكون عمليين حول واقع زوم الذي فرض علينا، أقترح أن نتبنى عادات خلق جو. خلق مراسم استعداد لزوم. الكمبيوتر نفسه لا يخلق أجواء، لذلك يجب علينا إعدادها كما لو أننا في الواقع – ارتداء ملابس حسب كل محادثة؛ اذا اردنا اجواء حميمية إضاءة شمعة؛ من أجل أجواء عمل، الجلوس مقابل الطاولة، وما إلى ذلك. في محاضرات الزوم التي أمررها حاليًا لطلابي، أقترح أن يأتون كما لو انهم في الصف الدراسي، مع قنينة ماء وفاكهة ودفتر وقلم. لخلق أجواء تعليمية."

الفكر يركض والجسد زومبي

دعنا نعود للحظة إلى حدود ما بعد- الانسانية والقيود بيولوجية التي تحدثت عنها. ماذا يفعل الزوم لأجسامنا؟
"لاحظت أنه عندما أقوم بتدريس دروس افتراضية، أشعر بتعب أكبر. على الرغم من أنني لا أتحرك في الحيز، مثل الفصل العادي. أجلس فقط أمام الكمبيوتر، وبعد محاضرتين أنا منتهية. لقد شاركني الزملاء بنفس المشاعر. فكرت في ذلك، وأشعر أنني عند التحدث باستخدام زوم كما لو أنني أغادر جسدي. ينقسم دماغي إلى خمس غرف، وأنا مثل مشرفة التي يتوجب عليها مراقبة خمسة مساحات في وقت واحد. الجسم لا يتحرك ويبذل المخ الكثير من الجهد ويدير توزيع الانتباه. الجهد العقلي المتمثل في توزيع الانتباه والحاجة الى الادراك يتطلب الكثير من الطاقة.

لكي نكون عمليين حول واقع زوم الذي فرض علينا، أقترح أن نتبنى عادات خلق جو. خلق مراسم استعداد لزوم. الكمبيوتر نفسه لا يخلق أجواء

"هناك تأثير اضافي للخروج من التزامن مع الجسد وربما هو ذا معنى كبير بالنسبة لنا، وهو تجربة ما بعد – الإنسانية التي تفصل بين العقل والجسم. يدعى "وهم الزومبي". في الماضي، تحدثنا عما يحدث لنا عندما تعلق أعيننا لساعات على الشاشة، وصفنا سلوك الزومبي هذا. الزوم هو حفلة للكمبيوتر والدماغ الذي يعمل بجهد كبير، لكن الجسم زومبي أمام الكمبيوتر لا يتحرك ".

إنها تجربة مخالفة للتعلم الأفلاطوني، للمعلم الذي يتجول مع طلابه في الحيز ويطرح أسئلة أثناء الجولة.
"حسنًا، في البداية أدخلنا الطلاب في الفصل الدراسي وبعد ذلك أدخلناهم الى الشاشة. واليوم نتفهم الضرر الذي يحدثه ذلك ونحاول العودة الى الوراء. نمارس في المدرسة اليوغا ودروس الطبيعة."

لا توجد قواعد سلوك في الحيز الأمفوري

بالنسبة للدكتورة فايسمان، زوم هي مجرد مثال واحد على كيفية عمل التكنولوجيا كوسيط في المواقف البشرية. فهي تنظر إلى العالم الرقمي والأدوات المختلفة التي يحتويها كبيئة للواقع الإنساني. "يوجد في الدراسات مصطلح الذي حددته إيلانا جيرشون ويطلق عليه "أيديولوجية وسائط الإتصال". أنت تفترض أن هناك قواعد محددة لوسائط الإتصال، وأنت تفترض أن الناس يفهمونها".

مثل مجموعات الواتس اب العائلية، أو أولياء الأمور في الحضانات، تشعر بالجنون بشأن سلوك الناس فيها، كأنما لو أنها محادثة خاصة بين شخصين.
"إنها تجربتك، ولكن الحقيقة هي أن الجميع يعتقدون أنهم يعرفون القواعد. لم يحدد أحد مدى شرعية استخدام كل منصة. يتم الكشف عن القاعدة فقط عند انتهاكها. عندما يفعل شخص ما شيء غير مناسب. نقدم شرحًا بصورة تشبيه لوسيط اتصال آخر نعرفه. لكن الناس الآخرين يجرون تشبيهات أخرى ".

ماذا تقصدين؟
"ما هو الإنترنت – هل هو نص؟ هل هو حيز؟ هل هو كون؟ في الحيز الواقعي هناك استقرار. عندما تدخل غرفة يجلس فيها سبعة، من الواضح لك أين تتواجد، لذلك من السهل على معظم الناس أن يتصرفوا وفقًا للمعايير. تحدد بشكل غير رسمي عند دخول عرض أو منزل أحد الأصدقاء. بالنسبة للإنترنت، لم نكن متأكدين أبدًا ما هو – هل هو طريق سريع للمعلومات، أو كتاب إلكتروني، أو مكتبة ضخمة؟ أو شبكة اجتماعية؟

أشعر أنه عندما أتحدث باستخدام زوم، أشعر وكأنني أغادر جسدي. ينقسم دماغي إلى خمس غرف، وأنا مثل مشرفة التي يتوجب عليها مراقبة خمس مساحات في نفس الوقت. لا يتحرك الجسم ويبذل المخ الكثير من الجهد

"بنفس الطريقة، يعد الزوم أيضًا حيز أمفوري. تراه الجدة مثل الهاتف. هي تراك وتسمعك وهذا يربط بينكم. ولكن عندما يشارك جميع أفراد الأسرة والأطفال يضحكون ويصدرون أصواتَا ويصنعون خلفيات، ليس لديهم نظريات في المحادثة، تعاليم لأنهم لم يأتوا للحديث. إنهم يشعرون أكثر على مقربة من مساحة مشتركة، نحن جميعًا في غرفة المعيشة معًا، ويمكن التحدث في نفس الوقت وأن نكون في مستويات مختلفة من التركيز. ولذلك يتصرف أشخاص مختلفون في هذا المكان كما في مواقف مختلفة في الحياة".

بمرور الوقت، بالتأكيد ستنشأ قواعد لكل واحدة من وسائط الاتصال.
"ليس بالضبط. التكنولوجيا نفسها لا يمكنها تحديد القواعد. في كل حدث، يجب على أحدهم وضع القواعد. هناك فرق هنا بين الإنترنت والواقع. لا توجد قواعد ثابتة على الإنترنت. اذا تغيّر مجتمع المشاركين ستنشئ قواعد مختلفة".

ما هي الصورة المستقبلية لهذه التجربة الضخمة؟ هل سننتقل حقًا إلى عالم أكثر افتراضية – للعمل عن بعد، التعلم عن بعد؟
"في التسعينات ، كانت هذه رؤية الإنترنت. لسبب ما، لم نقم بذلك. ربما اعتقدنا أن ذلك مستحيل. الآن اضطررنا للقيام بذلك. ولكن هناك العديد من القطاعات في العالم التجاري على الأخص، في الهايتيك، المالية الذين جربوا ذلك وسيجدون ان هذا النوع من الاتصال جيد، وسيستمرون باستخدامه. ولكن هناك أماكن كثيرة التي سيسرها العودة الى الحياة الواقعية، وسيكون هناك تراجع بالذات. لقد أرادت الجامعات الانتقال إلى دورات افتراضية ورقمية. يوجد الآن الكثير من الطلاب المتحمسون لهذا النوع من التعليم، لكن هناك الكثيرين الذي فهموا انهم لا يريدون التعلم بهذه الطريقة. بالنسبة لبعض الأشياء، ستكون هذه التجربة مُسرِّعًا، وبالنسبة للآخرين فهي تجربة تتطلب العودة إلى الاتصال المباشر. سيكون هناك إعادة تقييم لأهمية اللقاء، الحضور في حيز الواقع. الأمور دائمًا هكذا. لا يسير العالم باتجاه واحد أبدًا. هنا أيضا، سنرى الشيء وعكسه. ستتوصل القطاعات المختلفة الى استنتاجات مختلفة".