أفنان اغبارية، من سكان حيفا، كانت في شهر تشرين الأول/ اكتوبر 2000 تبلغ من العمر 43 عاما وعملت كمعلمة رياضيات في مدرسة المتنبي الثانوية. على الرغم من مرور 20 عاما فهي تتذكر جيدا الـ 2 من الشهر، اليوم الثاني للإضراب الاحتجاجي الكبير لعرب إسرائيل. "كل شيء انفجر بعد حادثة محمد الدرة"، تقول اغبارية. وتضيف: "كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير".

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

الخلفية: لماذا اندلع الاضراب الشامل

كانت تلك الأيام أيام بدء الانتفاضة الثانية. البث التلفزيوني للمقطع الذي تم تصويره، الذي يظهر فيه محمد الدرة، ولد فلسطيني شاب، قُتل بعد إطلاق النار عليه وهو بين ذراعي والده الذي حماه في زاوية شارع في غزة، خلال تبادل لإطلاق النار بين جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وبين فلسطينيين، تسبب في عاصفة عالمية.
تم بث المقطع لأول مرة في الـ 30 من شهر أيلول/ سبتمبر وفي اليوم الذي تلاه، كدليل على التضامن مع الفلسطينيين، أعلنت لجنة المتابعة العليا لعرب إسرائيل عن إضراب شامل.
وبدأ العرب الإسرائيليون بتنظيم أحداث احتجاجية جماهيرية في عشرات البلدات، وبشكل خاص في الجليل وفي وادي عارة. وتميز قسم من المظاهرات بالعنف الشديد، بإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة وبإغلاق الشوارع. ولغرض تفريق المظاهرات استخدم رجال الشرطة وجنود حرس الحدود كذلك إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، العيارات المطاطية والرصاص الحي. في اليوم الأول من المظاهرات قُتل ثلاثة متظاهرين في أم الفحم، وأصيب عشرات المواطنين وعدد من رجال الشرطة في جميع أنحاء البلاد.

المتظاهرة: "خرجنا بصورة عفوية"

"لا أستطيع الجلوس في البيت وأشاهد هذه المناظر"، تقول اغبارية، اليوم هي ناشطة في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وتضيف: "خرجنا للمظاهرة بصورة عفوية، وليس عن طريق الحزب".

أفنان اغبارية (تصوير: ألبوم خاص)

وتابعت اغبارية: "بشكل عام كان الناشطون السياسيون أول من وصلوا، لكن هنا رأيت أن أشخاصا وصلوا وهم لم يخرجوا ذات مرة الى المظاهرات. رأيت هناك طلابي وأولاد من صفوف أولادي وكثيرون آخرون".
في جميع أنحاء البلاد قُتل خمسة متظاهرين في نفس اليوم بنيران الشرطة: في أم الفحم، في عرابة، في سخنين وفي كفر كنا. المظاهرة في حيفا انتهت بطريقة مختلفة. الآن يعيد من شاركوا فيها تمثيل كيف حدث هذا.

شاهد عيان: "كان الوضع هادئا. حتى وصلت الشرطة"

بوعز البرت، كان حينها يبلغ من العمر 22 عاما، كان مركّز لواء حيفا في الشبيبة العاملة والمتعلمة. كان يستعد لرحلات عيد العرش (سوكوت) في مكتبه في حي وادي النسناس، حيث بدأ التجمهر في الشارع. يقول البرت: "رأيت من النافذة أن المظاهرة تجري على سيارتي تماما، التي كانت الوحيدة في الشارع".

بوعز البرت (تصوير: لي – شاي هرتسوغ)

"في البداية"، يقول البرت، "كانت تلك مظاهرة هادئة. أنا أذكر اللافتات. كان مكتوبا على واحدة منها اقتباسا من قصيدة الشاعر بياليك ‘ثأر لدم طفل صغير لم يخلقه الشيطان بعد‘. الناس وقفوا هناك في الشارع ولم يزعجوا أي أحد، حتى وصلت الشرطة. وصلت الدوريات، كما وصلت سيارة فان أو اثنتان تابعتان لوحدة الدوريات الخاصة. رجال شرطة بملابس سوداء، يظهر كل واحد فيهم مثل المتحول، كبار ومزودون بالمعدات. وبمجرد وصولهم بدأت المشاكل وأعمال الشغب".

المتظاهرون أغلقوا الشارع، من المنطقي أن تحضر الشرطة.
"لو لم يصل أي أحد ما كان حدث أي شيء. أنت تستطيع ان تقول أن المتظاهرين أغلقوا الشارع، لكن هذه ليست كارثة كبيرة. هذا حيهم وجميع المصالح التجارية أعلنت الإضراب أصلا. هذا ليس أن الشرطة حضرت وبدأت تضربهم. لكن مجرد أنهم وصلوا وكيف وصلوا، هذا ما أنشأ الوضع. أنا لا أحب أن أتهم وأهاجم رجال الشرطة. لكن على ما يبدو أنه في بعض الأحيان هم يخلقون أعمال الشغب أكثر مما يهدئون أعمال الشغب، وفي هذا الشأن أربط خطا مباشرا بين ذلك الوقت واليوم".

قائد محطة الشرطة: "كانت ورطة"

رؤوفين ارياف، في حينه كان يبلغ من العمر 49 عاما، كان برتبة مقدم، قائد محطة شرطة حيفا يقول انه كان لدى الشرطة معلومات استخبارية بموجبها سيتم تنظيم مظاهرة في وادي النسناس. وعندما وصل سوية مع قوة شرطية إلى المكان، كان المتظاهرون قد أغلقوا الشارع، وكانت الشرطة، وفقا لأقواله، في ورطة كيف تتصرف: "هل نمكّنهم من إغلاق الشارع واحتواء الحادث أم نفرقهم بالقوة".

رؤوفين ارياف عندما كان شرطيا. "عندما يقول الشرطي ‘سيدي ابتعد عن الشارع‘، ولم يتحرك الشخص، ماذا من المفروض عليه أن يفعل؟" (تصوير: ألبوم خاص)

لكن المظاهرة كانت هادئة حتى وصلت الشرطة.
"من غير الممكن أن تعرف كيف تتطور المظاهرة. في نفس الوقت كان المتظاهرون هادئين، لكن يجب عليّ التذكير أنهم إذا كانوا هادئين، فهم لا زالوا ينتهكون القانون. أنا لا أعرف ما هذه المظاهرة الهادئة عندما تقوم بإغلاق الشارع. إغلاق شارع هذا إخلال بالنظام العام ومظاهرة بدون ترخيص. هل يُسمح لكل من يريد أن يتظاهر أن يخالف القانون؟ حتى عندما وصلت الشرطة ووضعت حواجز في أعلى وفي أسفل الشارع من أجل أن لا يقوموا بإغلاق محاور أخرى، لم يكن قد حدث أي شيء بعد".

"عندما تلقيت أمرا بفتح الشارع، اذ عندما تكون ذاهبا لاعتقال أشخاص، من الواضح أنه سيكون هناك اخلال بالنظام العام. قمنا بالإعلان أن هذه مظاهرة غير قانونية وطلبنا عدة مرات بأن يقوموا بإخلاء الشارع، وهم لم يخلوه. عندما يقول الشرطي ‘سيدي ابتعد عن الشارع‘ ولم يتحرك الشخص ماذا من المفروض عليه أن يفعل؟"
تلقى قرار إخلاء المتظاهرين بالقوة، وفقا لأقوال أرياف، من قائد منطقة حيفا في حينه (العميد دوف شختر) الذي وصل إلى المكان. "يجب أن نفهم، هو وصل من أحداث الفريديس التي كانت صعبة"، يقول ارياف، ويضيف: "رجال شرطة ومواطنون أصيبوا بعد أن أغلقوا شارع 4. المبدأ لدى شرطة إسرائيل كان أن لا يغلقوا شوارع. جادة الصهيونية في حيفا هذا محور مروري للمواصلات العامة. بدأنا بفتح الشارع ونفذنا اعتقالات من خلال استخدام القوة".
على ماذا اشتمل استخدام القوة؟
"اشتمل على رفع اشخاص بالقوة. أربعة أشخاص مقابل شخص واحد، يرفعونه في الهواء ويأخذونه الى دورية تأخذه الى محطة الشرطة".
هل كانت هناك وسائل أخرى؟
"كان لدى رجال الشرطة هراوات. لكن كان التفريق فقط بواسطة رجال الشرطة".

يتحدث بوعز البرت، شاهد عيان، أنه سمع أصوات انفجار ويتذكر أنه رآى من النافذة فتيات يركضن في الشارع في رعب ويحاولن الاختباء. "رأيت أيضا انهم يقفون على سيارتي".

ماذا فعلت؟
"اتصلت بالياس".

الياس دكور (تصوير: ألبوم خاص)

إلياس هو إلياس دكور، من سكان المدينة التحتا في حيفا، واليوم يعمل مدير المناعة المجتمعية في الوسط العربي من قبل الجوينت ويعمل في مكافحة وباء الكورونا في البلدات العربية، حينها كان يبلغ من العمر 30 عاما، مركّز قسم مشاريع الفرع العربي في الشبيبة العاملة والمتعلمة.

بعد أن اتصل به البرت، يتذكر أنه اهتم بأن يقوم أحد المرشدين بأخذ المفاتيح منه ويخلص السيارة المتضررة من منطقة المظاهرة، وبعد ذلك، رافق البرت عند خروجه من المنطقة. ما عدا ذلك، هو لا يتذكر أي شيء من المظاهرة. "مرت عمليا عشرون سنة"، يقول.

المتظاهرة: "كان هناك خوف"

تتحدث اغبارية قائلة: "كان التعامل عنيفا جدا"، وأضافت: "كان هناك خوف. وقد شعرنا جميعا وكأننا في ساحة حرب. هذه أول مرة أرى أجواء كهذه في حيفا". وتتحدث انها خبأت أولادا وأدخلتهم الى الساحات وتحت الدرج. "رأيت كم أن رجال الشرطة مصممون على الضرب. شعرت بمسؤولية تجاه القاصرين".

أفنان اغبارية، خلال المظاهرة في وادي النسناس، 2 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2000. "شعرنا جميعا وكأننا في ساحة حرب" (تصوير: من فيلم "عشرة أيام في شهر تشرين الأول/ أكتوبر"، كان 11)

في المشاهد المصورة التي تم جمعها في الفيلم الوثائقي لايال داتس "عشرة أيام في شهر تشرين الأول/ أكتوبر" (هيئة البث العام ‘كان‘) شوهد رجال الشرطة وهم يحملون الهراوات ويهاجمون المتظاهرين، تم جر متظاهر على الأرض، إطارات مشتعلة، والحجارة التي ألقاها المتظاهرون منتشرة على الأرض. تم اعتقال ثمانية متظاهرين وكان قسم منهم مصابين ويحتاجون إلى العلاج الطبي. عدد من رجال الشرطة أصيبوا وتم نقلهم الى المستشفى.

قائد محطة الشرطة: "من أججوا الوضع كانوا يهودا"

ويفاجئ أرياف. ووفقا لأقواله، العنف الشديد لم يأت من جهة سكان الحي. "أنا لا أعتقد أن سكان الحي بالذات كانوا أساسا للإخلال بالنظام العام. رأينا أن قسما كبيرا من المتظاهرين لم يكونوا من سكان الحي وقسم أيضا كانوا يهودا. من أجج الوضع كانوا بالذات يهودا. وكان بينهم أيضا من سكان المناطق".

كذلك تقول اغبارية انها لم تتعرف على المخلين بالنظام العام: "كان هناك أشخاص أنا لا أعرفهم بتاتا قاموا بإلقاء الحجارة".

المتظاهرون في حيفا قاموا بخلع الأرصفة وألقوها على رجال الشرطة، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2000. أرياف: "أحد رجالنا في الشرطة، نائبي، تلقى حجرا من بلاط الأرصفة مباشرة الى ذقنه" (تصوير: من فيلم "عشرة أيام في شهر تشرين الأول/ أكتوبر"، كان 11)

في منطقة أخرى قريبة من المكان، يقول أرياف، بدأت الشرطة تستعد لإخلاء المتظاهرين الذين قاموا بخلع حجارة بلاط من الأرصفة وقاموا بإلقائها على رجال الشرطة. "في مرحلة معينة بدأنا نفهم أن هذا أيضا يجب أن ينتهي. قمنا بمواجهتهم ونفذنا اعتقالات. نحن كنا نرتدي خوذات، هراوات وبدلات واقية من الرصاص. أحد رجالنا في الشرطة، نائبي، تلقى حجرا من بلاط الأرصفة مباشرة الى ذقنه وتم نقله إلى المستشفى. كان هناك عدد من رجال الشرطة الذين تم إخلاؤهم".

رئيس البلدية: "وجدت نفسي في قلب المظاهرة"

في بلدية حيفا عُقدت في نفس الساعات جلسة مجلس بلدي. رئيس البلدية في حينه، عمرام متسناع، تلقى خلال الجلسة رسالة تفيد بأن هناك أعمال شغب في الوادي، وأن الشرطة اعتقلت متظاهرين وتستعد للهجوم.

عمرام متسناع. "حيفا هي ليست مدينة كباقي المدن الأخرى. بالإمكان ويجب انهاء هذا الوضع بطريقة أخرى" (تصوير: ألبوم خاص)

"نزلت على الفور إلى الوادي"، يقول متسناع، ويضيف: "أوقفت سيارتي وسرت باتجاه الدوار. قائد اللواء، دوف (شختر)، حدثني عن ما جرى وقلت له أنني سأتقدم للتحدث مع الناس. هو قال لي: ‘لا تتجرأ، فهم متحمسون وهذا خطير‘، وأضاف: ‘أمهلني عشر دقائق. نحن مستعدون، سنهجم ونفرّقهم‘".
كيف كان ردك؟
"قلت أنني أعتقد أنه من المفضل التحدث وانهاء الحادثة بالحوار. حيفا ليست مدينة كباقي المدن الأخرى. بالإمكان ويجب انهاء هذا الوضع بطريقة أخرى. أنا أعرف الناس هناك. وهو لم يوافق في أي حال من الأحوال. فقلت له أنني سأفعل ما أفهمه ودخلت الى داخل المظاهرة".

ألم تخف؟
"لا. لا تنس، كنت قائد سرية دبابات في حرب الأيام الستة وقائد كتيبة دبابات في حرب يوم الغفران. فعندما تقع عليك مسؤولية وينظرون إليك من جميع الاتجاهات فهذا يمنحك قوة للتغلب على الخوف".
وعندما دخلت الى الداخل؟
"وجدت نفسي في قلب المظاهرة، أينما يصرخون ويشتمون. لم يكن هناك عنف جسدي، فقط لفظي. كان معي أيضا عدد من قيادات المجتمع العربي في حيفا. كان د. خوري، نائب مدير عام البلدية، عضو المجلس البلدي أيمن عودة، وكذلك عضو الكنيست عصام مخول. وكان هناك عدد من الأصدقاء الذين ساعدوني في هذا الحديث. وقفنا هناك حسب رأيي ساعتين – ثلاث ساعات، نتحدث، نصرخ، نجادل، وفي النهاية أقنعت الناس بأن يتفرقوا وأن يذهبوا الى البيت".

المظاهرة في وادي النسناس في حيفا، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2000 (تصوير: من فيلم "عشرة أيام في شهر تشرين الأول/ أكتوبر"، كان 11)

أرياف: "عندما بدأنا بتفريق المتظاهرين وصل الوجهاء، من بينهم متسناع، الذي عرفته من خلال الخدمة العسكرية كضابط في شعبة العمليات في اللواء الذي قاده وبعد ذلك كرئيس بلدية. هو سألني عن المعتقلين وماذا ينوي أن يفعل بهم. فقلت له أنه يتم التحقيق معهم وغدا سنمدد اعتقالهم. فطلب أن نطلق سراحهم".

"كان هناك معه عدد من الوجهاء، من بينهم عضو المجلس البلدي عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ايمن عودة. قلنا ليس هناك مشكلة وسنطلق سراحهم مقابل تفريق المظاهرة. كان في أيدينا ثمانية معتقلين قسم منهم أصيبوا وتلقوا العلاج الطبي. قلنا في البداية نطلق سراح اثنين، بعد ذلك يفتحوا الشارع، وعندها نطلق سراح اثنين آخرين، وبعد ذلك هم يفرقون المظاهرة، وبعد أن يذهب الجميع سنطلق سراح الباقي". الجميع أوفى بوعده.

عضو الكنيست: "اكتشفت مجموعة من المستعربين"

تم استدعاء عصام مخول، الذي كان في حينه عضو كنيست (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)، إلى حيفا من أجل تهدئة الخواطر، بعد أن عرف عمليا النتائج المأساوية لمظاهرات اليوم السابق في أم الفحم: "عرفت أنه إذا ما كان هناك استخدام للقوة، سيكون هناك إطلاق نار، كما حدث في كل مكان".

عصام مخول (تصوير: ألبوم خاص)

ماذا رأيت عندما وصلت الى المكان؟
"عندما وصلت إلى نهاية التوتر، اكتشفت مجموعة من المستعربين الذين كانوا بين المتظاهرين والذين حاولوا قيادة الاشتباك. ناديت عليهم وأشرت إليهم، بهدف كشف أنهم لا ينتمون الى المظاهرة وأنهم يحاولون التحريض. هم التفوا وهربوا عندما بدأ شبابنا بملاحقتهم. بالنسبة لي هذا يُظهر أن هناك شخصا ما كان معنيا بإشعال النار هناك". أرياف ينفي ادعاء أن المستعربين شاركوا في هذه المظاهرة، وكذلك طيلة فترة عمله في منصب قائد محطة شرطة حيفا.

في المكان التقى عضو الكنيست مخول مع متسناع: "قلت له أن الأمر الرئيسي الذي يجب أن نفعله في الوقت الحالي هو أن نهتم بأن تبتعد الشرطة ونحن (القيادة العربية) سنهتم بأن لا تنزلق المظاهرة إلى أماكن عنيفة".

لماذا وافق المتظاهرون على الاستجابة إلى طلب متسناع؟
"ليست لدي رغبة أن أغني قصيدة مديح لمتسناع، لكن هذه الحادثة كشفت ندرة المنطق والنهج المدروس الذي لم يكن موجودا في تلك الأيام. متسناع، كرئيس بلدية حيفا، عرف ما هي حيفا. من يحاول أن يكون رئيسا لبلدية حيفا يعرف أن المدينة ستتقيأه اذا لم يتعامل معها على أنها مدينة ثنائية – القومية التي فيها أغلبية يهودية، أقلية عربية كبيرة وتاريخ عربي مجيد".

الشوارع التي جرت فيها المظاهرة في حي وادي النسناس في حيفا، 2020 (تصوير: شاي نير)

"كانت لنا لغة مشتركة مع متسناع. وكانت هناك لغة مشتركة كذلك مع آخرين لكن كان هو أكثر شجاعة من الآخرين. فهو جنرال ذكي وعاقل وهو أوقف إمكانية أن تكون هناك إراقة للدماء في حيفا. لو كانت هناك إراقة دماء في حينه، لكان وجه حيفا مختلفا منذ ذلك الحين وحتى اليوم. حكمة السلطة، وفي هذه الحالة السلطة المحلية، وفرت على هذه المدينة الكثير وحافظت على طابع المدينة مع حياة مشتركة".

البرت كذلك شاهد العيان، يتذكر متسناع من ذلك اليوم. "هذه أفضل ذكرى لي من هذا اليوم"، يقول. ويضيف: "وصل متسناع، أعاد رجال الشرطة إلى الوراء، وقف، تحدث مع المتظاهرين، وأنهى القصة. مثل الساحر. كان هذا أمرا رائعا. نظرت إلى ذلك بإعجاب كبير".

تم المحافظة على الهدوء. في صباح اليوم التالي خرج أرياف ورئيس كتيبة الدوريات في المحطة إلى الوادي، "بلباس الشرطة، فقط نحن الاثنان، من دون مرافقة ومن دون مشاكل".

لجنة التحقيق: هل تم إطلاق عيارات مطاطية أم لا

المظاهرات الصاخبة في جميع أنحاء البلاد تواصلت لحوالي عشرة أيام قُتل خلالها 12 شخصا من المتظاهرين من مواطني إسرائيل وفلسطيني الذي هو ليس مواطنا إسرائيليا. قُتل يهودي واحد نتيجة القاء حجر على سيارته عندما سافر على شارع الشاطئ. في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 وافقت الحكومة، برئاسة ايهود براك، على طلب قيادة عرب إسرائيل وشكلت لجنة تحقيق رسمية لفحص الأحداث، برئاسة القاضي ثيودور أور ("لجنة أور").

في استنتاجاتها، انتقدت اللجنة بشدة وزراء في الحكومة، ضباطا في شرطة إسرائيل، وقياديين في الجمهور العربي الإسرائيلي.

"في لجنة أور يكفي أن يقول شخص ما ويتم كتابة أقواله، لكن لم يتم التحقيق في الحادثة. لم يكن هناك استخدام للغاز المسيل للدموع ولا العيارات المطاطية وكل من يقول هذا فانه يكذب"

لجنة أور لم تحقق في المظاهرة في حيفا، ولكن في تقريرها الملخص، تم ذكر المظاهرة في عدة أسطر، وكُتب أنه تم استخدام وسائل تفريق المظاهرات – غاز مسيل للدموع والعيارات المطاطية. وتدعي اغبارية أن الشرطة أطلقت العيارات المطاطية على المتظاهرين، وأن اثنين من المتظاهرين الذين أصيبوا في أرجلهما ذهبا لتلقي العلاج لدى طبيب خاص خوفا من أن تقوم الشرطة بالبحث عنهم في المستشفيات العامة. هي لا تتذكر أسماء المصابين.

أرياف ينفي هذا جملة وتفصيلا.

كيف تفسر ذلك ان هذا ما كان مكتوبا في التقرير؟
" في لجنة أور يكفي أن يقول شخص ما ويتم كتابة أقواله، لكن لم يتم التحقيق في الحادثة. لم يتم استدعائي الى اللجنة في هذا الشأن بل بخصوص اليك رون (قائد اللواء الشمالي خلال الأحداث – شاي نير). لم يكن هناك استخدام للغاز المسيل للدموع ولا العيارات المطاطية وكل من يقول هذا فانه يكذب".

هل كانت هذه الوسائل موجودة لديكم في المحطة؟
"لم يكن لدينا عيارات مطاطية بتاتا ولم نعرف ما هذا. تم استخدام ذلك في الفريديس، لان هذا وصل سوية مع قوات حرس الحدود، ولكن في حيفا لم تكن هناك قوات حرس حدود. غاز مسيل للدموع نعم كان لدينا. خلال المظاهرة ألقى أحد الضباط قنبلة غاز مسيل للدموع، لكنه لم يزيل سدادة الأمان، لذا لم يعمل الغاز المسيل للدموع، ولذلك لا يمكن القول أنه كان هناك استخدام للغاز المسيل للدموع".

رجال شرطة يقومون بتفريق متظاهرين في مظاهرة في وادي النسناس، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2000. مخول: "في حيفا لم يكن هناك استخدام لوسائل تفريق المظاهرات" (تصوير: من فيلم "عشرة أيام في شهر تشرين الأول/ أكتوبر"، كان 11)

عضو الكنيست مخول ينفي كذلك الادعاء باستخدام العيارات المطاطية. "في حيفا لم يكن هناك استخدام لوسائل تفريق المظاهرات"، يقول مخول، ويضيف: "وأنا أشرت إلى ذلك في شهادتي أمام اللجنة". ووفقا لأقواله، فهو ذكر المظاهرة في حيفا كمثال لحسن التصرف في أحداث من هذا النوع. يقول مخول: "عندما يكون هناك مسؤول بالغ"، ويضيف: "هذا يمكن أن يحدث. رئيس البلدية متسناع كان شجاعا بما فيه الكفاية ليقول للشرطة أن لا يدخلوا وأن تسمح باستمرار المظاهرة، من خلال التنسيق معنا بأن نسيطر عليها. ونحن سيطرنا، حتى لو استغرق هذا ساعة أخرى أو ساعة ونصف".

الشرطي الذي أصبح معلما: "القوة هي ليست الامر الهام"

في وظيفته الأخيرة في الشرطة كان العميد أرياف، الذي يسكن في يوكنعام، نائبا لرئيس شعبة المجتمع والحرس المدني. بعد تقاعده بدأ العمل كمعلم ومربي، وشارك في مظاهرة المعلمين. وهكذا وجد نفسه، لأول مرة، في الجانب الآخر من المتراس (الحاجز). حتى اليوم هو أيضا يتظاهر "بصورة هادئة"، كما قال، في احتجاج الجسور.

"من السهل الزيارة عندما تكون جالسا في مكيف هواء، ولكن عندما تكون في داخل الحدث تتصبب عرقا والشمس تضايقك، أو في جو شديد البرودة، فإنك سترد بطريقة أخرى. عندما أنظر على الوراء، أقول أنه يجب احتواء الاحداث ويجب ضبط النفس أكثر"

ما رأيك بادعاءات التواجد الشرطي الزائد والتصرف العنيف للشرطة في مظاهرات اليوم؟
"أنا لا أستطيع أن أقول ماذا يحدث في بلفور أو في تل ابيب. لم أكن في هذه الاحداث. أولادي كانوا هناك وخرجوا خائبي الامل من تصرف الشرطة. أنا أستطيع القول أنه عندما يكون هناك قيادة للمتظاهرين فان لدى الشرطة مع من تتحدث. وعندما لا يكون، إذن لا يكون. عندما يكون، حينها بالإمكان احتواء الحدث أكثر بكل سهولة. ما أراه، وهذا فقط ما يقولوه لي، هناك إشكاليات في تصرف الشرطة، لكنني لست في مكان انتقاد لأنني لم أكن هناك".

في نظرة الى الوراء كيف ترى أنت استخدام القوة؟
"عندما تقاعدت حصلت على منظور آخر. أنت تفهم ان القوة هي ليست الأمر المهم. المهم هو أن تصل إلى تفاهمات، الى حديث، الى تأثير. اليوم أنا أرى هذا من الخارج، إذن من السهل الزيارة. من الداخل تبدو الأمور مختلفة. من السهل الزيارة عندما تكون جالسا في مكيف هواء، ولكن عندما تكون في داخل الحدث تتصبب عرقا والشمس تضايقك، أو في جو شديد البرودة، فإنك سترد بطريقة أخرى. عندما أنظر على الوراء، أقول أنه يجب احتواء الاحداث ويجب ضبط النفس أكثر. لن يحدث شيء لو كانت شوارع معينة مغلقة وعبّر الناس عن الإحباط. طالما كانت المظاهرة هادئة، حاول أن تحتويها".