
"من تجربتي فان أكثر من نصف حالات العنف في المجتمع العربي متعلقة بأمور القروض السكنية (المشكنتا) الوهمية والبناء. زوجان يريدان الزواج، والثقافة لا تتيح لهما السكن مع بعضهما الا اذا تزوجا. لكن كيف يبني هو بيتا. كيف يشتري بيتا؟ لا خيار أمامه سوى التوجه الى السوق الرمادية، ومن هناك فان الطريق الى حالة عنف هي أقصر الطرق"، هذا ما يقوله رائد أبو ريا، ناشط اجتماعي وأخصائي في مجال الائتمان.
العنف في المجتمع العربي آخذ في التصاعد في الآونة الأخيرة، مع 102 قتلى في البلدات العربية منذ بداية العام. ووفقا لأبي ريا، فان الحديث يدور من بين ما يدور حول تأثيرات أزمة الكورونا التي أضرت بشكل ملحوظ بالمجتمع العربي وكشفت عن إحدى المشاكل الهيكلية الأعمق في المجتمع العربي التي تعزز الإجرام المنظم – عدم السهولة في الحصول على الائتمان البنكي، وبشكل خاص القروض السكنية (المشكنتا).
الاقتصاد الأسود وفيروس الكورونا
هل هنالك ظاهرة موسعة من عدم التقيد بتسديد الأقساط للمقرضين في السوق الرمادية؟
"بالتأكيد. المجتمع العربي تضرر كثيرا من أزمة الكورونا، وليس للناس بكل بساطة من أين يجلبون مقابل تسديد هذه الأقساط. ومن كان ضعيفا يتم الزج به جانبا. من السهل فصل الأشخاص الضعفاء أو اخراجهم الى اجازة غير مدفوعة الأجر في اماكن العمل. أما اؤلئك الأقوياء فيواصلون العمل. وقد تلقى الشباب العرب ضربة قوية بهذا المفهوم. الكثير من الاشخاص اصبحوا يعملون بدخل متدني أسكت مارد العنف وفجأة وجدوا أنفسهم في إجازة غير مدفوعة الأجر أو تم فصلهم من العمل ما أيقظ نفس المارد".
ولكن حتى من تم فصله عن العمل يواصل الحصول على مخصصات البطالة أو الإجازة غير مدفوعة الأجر
"توجد هناك ضربة قوية جدا في المجتمع العربي بهذا المفهوم. اذ يعمل الناس بدون قسائم راتب واليوم وبكل بساطة يحصلون على مبلغ ضئيل من مخصصات البطالة. هناك أصحاب عمل يقترحون التشغيل بأجر أعلى ، ولكن يتم الاقرار باقل منه. يدفعون لهؤلاء الناس نقدا. الآن هذا يضرب هؤلاء الناس تماما. هناك أشخاص الذين حصلوا على 10 آلاف شيقل في الشهر، ولكن 7.000 شيقل من هذا المبلغ كان نقدا من أجل أن يوفر صاحب العمل عدة قروش. والآن هؤلاء الاشخاص موجودون في ضائقة شديدة".
"هذا أيضا يؤدي الى ارتفاع في عدد الناشطين في هذه التنظيمات. هناك عدد غير قليل من التنظيمات التي تنتظر بالضبط مثل هذا الأمر، وهي تحتضنه وتستخدمه من أجل جذب نفس الشباب الى العنف. في السوق السوداء يوجد مال، توجد قوة. يعطون له هناك المال، يعطون له سلاحا".
"توجد هناك أراضي محتفظ بها بواسطة كوشان تركي"
"مشكلة القروض السكنية (المشكنتا) هي أم جميع المشاكل في المجتمع العربي"، يقول ابو ريا، ويضيف: "الناشطون في السوق السوداء دائما كانوا عاملا هاما ، لكن منذ الكورونا أصبحوا هم العامل الأهم الذي يقود المجتمع العربي".
ووفقا لأقواله، فان القروض للسكن، التي يمكن أن تصل إلى حجم مئات آلاف الشواقل، ليس من السهل الحصول عليها لمعظم الناس في المجتمع العربي بسبب مشكلة تسجيل الأراضي التي لم تتم تسويتها على الإطلاق. فبدون تسجيل منظم، لا تستطيع البنوك أن تسجل الملكية كضمان، ومتوسط الدخل المتدني في المجتمع العربي يؤدي إلى عدم حصول الأغلبية المطلقة من الأسر على قروض سكنية (مشكنتا)".
"تمثيل العرب في سوق القروض السكنية (المشكنتا) هو معيب. أقل من – 1 % من القروض السكنية (المشكنتا) في اسرائيل تُمنح للعرب. ويضطر الناس إلى بناء بيوت بمشقة من المال الذي يقترضونه من السوق الرمادية، وهناك من يواجه صعوبة يدخل في مشكلة كبيرة جدا"، يقول أبو ريا، ويضيف: "أنا لا آتي إلى هنا بادعاءات على البنوك؟ فالبنك هو مؤسسة مالية ، هدفها هو الربح. فالبنك لا يستطيع توفير ائتمان لبيت من دون أن يكون له قرض سكن (مشكنتا) على الملكية. توجد مشكلة كبيرة في تسجيل الممتلكات في البلدات العربية".
من أين تأتي مشكلة تسجيل الممتلكات في المجتمع العربي؟
"في غالبية البلدات حقيقة لا يوجد تسجيل منظم. ففي كل بلدة تعيش عدة حمائل، التي كانت لها الكثير من الاراضي. نفس الاراضي انتقلت من الآباء إلى الأولاد، لكن لم يتم بذل جهود لا من جانبهم ولا من جانب الدولة بالاهتمام بأن ينتقل التسجيل إلى أسماء المالكين الحاليين. توجد أراضي في البلدات العربية التي لا تزال مسجلة على أسماء أشخاص الذين توفيوا في سنوات العشرينات. وهم يحتفظون بها بواسطة كوشان تركي".
إذن لماذا لا يسجلون الأراضي اليوم؟
"توجد مشكلة كبيرة مع المحفز لتسجيل تلك الأراضي. صحيح أن من يحتفظ اليوم بأرض يذهب للتسجيل، ويستوجب عليه دفع الضريبة عن جميع الصفقات التي جرت على هذه الأرض في المئة سنة الأخيرة. لذلك اقترحت بأن تعمل الدائرة بحكمة وليس بعدالة. هذه مشكلة أكثر من – 20 % من السكان، التي تؤدي الى العنف. هذا يكلف الدولة مالا بعد كل هذا، وبعد كل هذه الفوضى".
"انا أعرف أن هذا أمر ليس بسيطا، ويفتح عش الدبابير. يمكن أن يستغرق هذا الأمر ثلاثة أو أربعة أعوام، ولكن في اللحظة التي يتم فيها حل هذا الأمر فان هذا سيقلل جزءا كبيرا من الحاجة الى التوجه إلى السوق الرمادية. ابني في هذا الوضع يستطيع بكل بساطة أن يشتري بيتا في جلجولية، وأن يدفع فائدة عادية ولا يخاف".
إذن لماذا لا يعيشون بالايجار؟
"هذا ايضا يحدث، ولكن يحدث كثيرا أن صاحب البيت هو بنفسه ناشط في السوق الرمادية. في جلجولية، البلد التي أسكن فيها، ليس بالضبط من المناطق الفاخرة في اسرائيل، لا تجد أرضا بأقل من مليون ونصف المليون شيقل. والاشخاص الذين يستطيعون شراء هذا بدون قرض سكني (مشكنتا) هم فقط الناشطون في السوق الرمادية. وهذه فقط أرض. هم يشترون هذه البيوت، اما كطريقة لتبييض الأموال، أو فعليا كطريقة للسيطرة على الشباب الذين يستأجرون البيوت. هم يعرفون أن هناك احتمالا أن هؤلاء الشباب لن ينجحوا في التقيد بدفع الاقساط، وفي اللحظة التي لا يستطيعون يسيطرون عليهم بقوة كبيرة. بالطبع لا توجد اتفاقيات كما يجب، لان كل شيء غير منظم. هذا الأمر لاحظناه كثيرا في الكورونا".
يجب على الدولة أن تتحمل جزءا من المخاطرة
اذن يجب على الدولة أن تتدخل من أجل تشجيع التسجيل؟
"اقترحت في حينه على لجنة السلطات العربية أن يناضلوا من أجل هذا الأمر في الكنيست – فاذا نجحوا فان هذا سيكون أكبر انجاز في المحاولة لمكافحة العنف في المجتمع العربي. يجب التسهيل في الضرائب عند التسجيل، وتشجيع الناس على تسجيل ممتلكاتهم. يمكن اقناعهم بواسطة التنازل عن جزء من الضريبة المستحقة للدولة على هذه الصفقات، لن يحدث شيء. في النهاية الدولة هي التي ستربح من هذا الأمر".
"تعرف الدولة أن تفعل مثل هذه الامور عندما يريدون؟ يمكن أيضا التنازل عن جزء من الضريبة من أجل عمل نظام لمرة واحدة وللابد – لانه في اللحظة التي يعملون بها هذا النظام ستحظى الدولة بضرائب في المستقبل. كل صفقة تتم على هذه الارض يكون عليها ضريبة، الامر الذي لا يحدث اليوم. اليوم هذه اتفاقيات وهمية، ولا يحصل الناس على التسجيل. وهذا يؤدي إلى نزاعات وعنف".
ماذا بخصوص اقتراح القائمة المشتركة في عرض ائتمان بضمان الدولة؟
"هذا اقتراح يجب أن يلقى آذانا صاغية، قلبا مفتوحا ويدا كريمة. أنا أدرك المخاوف من خطوة كهذه، لأنها تفتح صندوق فاندورا (سيدة يونانية قديمة). يستطيع كل السكان الأكثر ضعفا في دولة اسرائيل أن يأتوا ويقولوا اعتذر، لماذا أنا لا؟ أنا أعتقد أنه بسبب حقيقة أن – 20 % من السكان يعانون من هذه المشكلة، هناك أهمية كبرى لتقدم هذا".
"المجتمع العربي بكل بساطة يفتقد إلى نسيج المجتمع الاسرائيلي. الدولة ستفقد بشكل كبير، واذا قدموا هذه الحلول فان هذا يربط المجتمع العربي أكثر بدولة اسرائيل. لا توجد مشكلة اذا كانت هناك حاجة لوضع قيود على هذا الأمر، للاشراف، للاهتمام بأن المال يذهب حقا إلى أماكن ترفع المجتمع العربي. لكن هذا يمكن أن يغير مستوى الحياة هنا تماما، ومن يفوز هنا هم الجميع – الدولة ستنعم بالهدوء في المنطقة، توفر الكثير من الموارد التي يتم استثمارها في الشرطة، وقد تخلق تعاونا ممتازا بين العرب واليهود في اسرائيل".

