في مساء يوم سبت شتوي من عام 5681 حسب التقويم العبري (23 من الشهر الثالث حسب التقويم العبري، الموافق – 4 كانون الأول/ ديسمبر 1920) اجتمع جمهور كبير من العمال والعاملات حول قاعة مدرسة الحرف في التخنيون في حيفا. تواجد في داخل القاعة 87 مندوبا عن 4.433 عاملا وعاملة من أنحاء البلاد. خوف وأمل سيطر على الحاضرين، هل سينجحون فعلا في تحقيق أمنية القلب لتوحيد المعسكر الرائد؟ سؤال أزعج راحتهم لحوالي عشرين سنة، لكن لا مفر منه.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

صمت مضطرب ساد بين الحضور. رائحة العرق غطت القاعة الصغيرة التي كانت مزدحمة إلى درجة عدم وجود مكان فارغ. الجميع كانوا متأهبين بترقب لما سيأتي، بعد ساعة من الجدالات الصاخبة. كما هدأت الأصوات في خارج القاعة. جمهور العمال، الذي اجتمع حول القاعة في الليل الحيفاوي البارد، فهموا حجم الوقت. اخفاق الوحدة في بيتح تكفا خيم على معنوياتهم، وبدا انه يبشر بالاثارة لما سيأتي.

المؤسسون (تصميم جرافيكا: ايدياه)

تعرفوا على مؤسسي اتحاد نقابات العمال الهستدروت في هذا الرابط

وها قد وصلت ساعة الحسم، هل سنمضي؟ ساد الصمت في القاعة عندما بدأ دافيد رمز، رئيس الجلسة، بقراءة مشروع القرار. صوته اخترق حالة الصمت، ونزلت كلماته كأمطار البركة على القلوب الظمآى. وببطء شديد تم عدّ الايدي المرفوعة، ورفض القلب أن يصدق. حلم متعدد – السنوات تحقق بعد التعلم من حالات الفشل.

"تم انشاء نقابة الهستدروت العامة لعمال أرض – اسرائيل"، أعلن رئيس الجلسة. فرحة عارمة اجتاحت مندوبي العمال وجمهور الحاضرين في خارج القاعة. أول استنشاق هواء بعد مجهود متواصل، بدأت رئتا المعسكر العمالي في البلاد تمتلئ بالهواء.

ولكن عمليا مع بدء النقاش التالي بدأت مرة أخرى الجدالات بين المعسكرات، وسحابة ثقيلة هددت آمال الوحدة. المعسكر العمالي انقسم بفصائله. "اتحاد العمل" يشد الى الوحدة الكاملة والشاملة، بينما يحذر "العامل الشاب" من ذلك. هناك ايضا من يشوش على خطوة النقاشات ويدعون إلى وحدة عمال العالم، من خلال حملهم للامور باللغة الايديشية. ووقف أمامهم مندوبون كثيرون الذين طالبوا بابعادهم عن المعسكر.

وعن المدرجات قام فجأة يوسف حاييم برينر وطالب بحق الكلام. "لكنه ليس مندوبا، فكيف له أن يتحدث؟"، سأل رئيس الجلسة. من أعماق لحيته السوداء ادعى برينر "حق الصرخة". لأن هذا وقت وحدة المعسكر، وليس وقت أمور المهاترة. وتردد صدى أقواله التي خرجت من القلب بين جدران القاعة واقتحمت الجمهور الذي تجمع في الخارج.

برينر كان صوت ضمير العمال وبدا كأنه نبي المحن. وعبرت كلماته عن الفجيعة والفشل الذي وقع فيه المعسكر العمالي في أرض اسرائيل عشية المؤتمر.

ويقف أمام برينر شيخ العمال، أ. د. غوردون. ملابسه روسية، لحيته بيضاء وطويلة. غوردون خشي على مصير العمل اليهودي بسبب التيار الشيوعي الذي أخذ يجتاح العالم. وخشي أنه في أعقاب ذلك سيفقد العامل العبري تفرده وأن يتم اقتلاع الثقافة العمالية من جذورها اليهودية. وتردد صدى كلماته المدروسة والحماسية في قلوب تلاميذه الذين خرجوا للدفاع عن العبرية وعن العمل، من خلال أنهم يقفون بحزم مع ضرورة وجود أحزاب تقف كسد واقي ضد اكتساح الاشتراكية الدولية. ووقف ضدهم أوائل الشيوعيين والذين يدعون الى الوحدة مع العامل العربي.

من بين الجمهور قامت عاده فيشمان، ياعيل غوردون وحنه ميزل، وطالبن باحترام العاملات. اذ أنهن كنّ جزءا من مشروع النهضة، ومن اللائق أن يكون لهنّ مكان في اتحاد نقابات العمال الهستدروت. واقترح يتسحاق طبنكين تخصيص مكانين في المجلس للنساء. فاستجاب الجمهور وقبلوا اقتراحه".

الايام صعبة ومصيرية. انتهت الحرب العالمية الأولى، وخفتت أصداء الحروب وألهم وعد بلفور أملا في قلوب الحالمين ومحققي الأحلام. الاستيطان في البلاد، وفي داخله المعسكر العمالي – الريادي، الذي بدأ بالانتعاش من مشقات الحرب والأزمة الاقتصادية، وها هو يبدو أن جماهير الشعب قد تدفقوا على بوابات البلاد. فهل ننجح في اعطائهم الجواب وانقاذهم؟

القلب يطلب توحيد العمال الشامل في نقابة عمال (هستدروت) واحدة، الا انه ما زالت هناك اختلافات في المواقف بين رجال "العامل الشاب" و "اتحاد العمل".

برل كتسنلسون، رجل "غير الحزبيين" ومن مؤسسي "اتحاد العمل"، طالب باتحاد كامل والغاء الأحزاب فورا من أجل هيئة واحدة – نقابة العمال العامة الهستدروت في أرض اسرائيل. "جمهور العمال مع أنهم غير متحد اتحادا نقابيا هستدروتيا، الا أنه موحد في افعاله، في حياته، في آماله، اتحادا حيويا. هذا الجمهور ها هو وحدة واحدة في داخل اليهودية، وهو قابل للسلب والشجارات الداخلية التي تمزقه إلى اشلاء … إذا نجحنا هنا في إرساء أساس لتجمهر العمال في البلاد، سنكون قد فعلنا أمرا كبيرا. عيون أربعة آلاف عامل مصوبة الينا وتوصينا: تغلبوا!".

من ناحية أخرى أصر رجال "العامل الشاب" على موقفهم وطالبوا بالوحدة في شؤون العمل من خلال الحفاظ على الاختلافات في الشؤون الثقافية والحفاظ على الأحزاب. اثنان يمسكان بدثارة (شال) الصلاة، هؤلاء يجذبونه الى هنا وهؤلاء إلى هنا. الرواد الذين جاءوا منذ زمن ليس ببعيد حاولوا التوسط والوصول إلى وادي شوى.

دافيد بن غوريون، لاحقا سكرتير اتحاد نقابات العمال الهستدروت، الذي كان في نفس الوقت ضمن وفد في لندن ارسل رسالة الى الحاضرين في المؤتمر. وطلب منهم أن يتحدوا ويكونوا قاعدة وأساسا لمبنى المجتمع اليهودي المتجدد في أرض اسرائيل. مجتمع العمال الذي يعيش كل شخص فيه من عمله، من دون استغلال.

تواصلت الجدالات وظهر من بينهم صوت عمال اليمن، المنبوذون من المعسكر. وقد تحدثوا عن ألمهم وعن الظلم تجاههم. عند سماع هذه الأقوال التزم المندوبون الصمت وأحنوا رؤوسهم . وقرر المؤتمر إعطاء مكانين في المجلس لمندوبي العمال اليمنيين.

من بين الجمهور قامت عاده فيشمان، ياعيل غوردون وحنه ميزل، وطالبن باحترام العاملات. اذ أنهن كنّ جزءا من مشروع النهضة، ومن اللائق أن يكون لهنّ مكان في اتحاد نقابات العمال الهستدروت. واقترح يتسحاق طبنكين تخصيص مكانين في المجلس للنساء. فاستجاب الجمهور وقبلوا اقتراحه.

انتهى التصويت وكان الحلم عمليا. وصية المحارب اليهودي المبجل، يوسف طرومبلدور، باقامة معسكر عمالي واحد تحققت.

دافيد زكاي، رجل "اتحاد العمل"، رجل الثقافة والأدب، تم اختياره السكرتير المؤقت الأول. يقول زكاي لاحقا "لقد صنعنا مخلوقا جديدا لم يكن له مثيل – نقابة العمال الهستدروت، التي لا تعتمد فقط على الشؤون المهنية، على حرب الطبقات، ولكن نقابة العمال الهستدروت التي أتت لتبني طبقة عمال، لتبني شعبا".

بعد خمسة ايام من النضال والترفع أختتم المؤتمر، وكما من الاعماق انطلقت أغنية التي كانت صلاة للكثيرين وتراثا كان حضنا يوحد بين الأخوة وبين الذين كانوا أعداء. الآن يمكن إشعال شموع الحانوكاه بنار الوحدة والعمل. وها هو الرجل والمرأة يعودون الى عمله وعملها، لبناء الارض والانسان.

بعد نصف سنة من المؤتمر قُتل برينر مع أصدقائه الأدباء في ضواحي تل ابيب. بعد يوم واحد من عيد العمال، الـ – 2 من أيار/ مايو 1921.

***

مع إقامة نقابة العمال الهستدروت تم منح الرواد والعمال الأدوات لبناء البنى التحتية البنيوية، الاقتصادية والاجتماعية للاستيطان في أرض اسرائيل.

على منصة المؤتمر صعد واحدا تلو الآخر من الشخصيات والهيئات التي كانت حاسمة في بناء الاستيطان واقامة الدولة في السنوات التي تلت ذلك. وتم تعيين بن غوريون رئيسا للوكالة اليهودية وبعد ذلك رئيسا للحكومة الأولى في اسرائيل.

رسم المؤتمر الاول الطريق للمعسكر العمالي – الريادي، ليكون الجمهور المسيطر في بناء الاستيطان والدولة. قياديوه كان لديهم بُعد نظر، وكانت لديهم الجرأة لاتخاذ قرار بتوحيد المعسكر العمالي على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر. من يعرف ماذا كان سيحدث لو لم تقام نقابة العمال الهستدروت قبل 100 عام. ​