يظهر أنه كان هناك دائما، في شارع أرلوزوروف في تل أبيب: كبير، واسع، محاط بمناطق خضراء وسياج حديدي عالي. يوجد على السطح مكعب اشتراكي، رمزي، مطلي باللون الأحمر الفاتح، وعند قدمه ثلاثة صواري عالية مع علم الدولة وعلمين لاتحاد نقابات العمال الهستدروت. مقر اللجنة التنفيذية، مقر اتحاد نقابات العمال الهستدروت. هناك من أطلق عليه اسم "الكرملين"، ربما بسبب الخوف من الهيئة التي كانت لسنوات طويلة الأكبر والأقوى في البلاد، وربما يرمز إلى المظهر السوفييتي للمبنى.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

الا أن المبنى ليس سوفييتيا أبدا ومطلقا. "نحن نبذل جهدا في استخدام مواد هي خالصة من إنتاج البلاد"، يقول المهندس المعماري ميخائيل يعقوبسون. ويضيف: "في العالم معجبون بهذا الاسلوب الذي يسمى بالوحش. الباطون المكشوف وكأنه يقول: ‘نحن الاسرائيليين، صبارين ( خشنين)، اعتدنا على ضوء الشمس، ونحن نكشف عن صدرنا ولا نحتاج الى قصارة بيضاء، نحن بحاجة الى وحش، مادة مرئية ومكشوفة".

"واجهة (مظهر خارجي زائف) من الباطون المكشوف، متعددة – الطبقات، ثلاثية – الابعاد، بنموذج يستحوذ كل مساحتها ويستخدم كنظام تظليل لنوافذ المكاتب"(تصوير: ديانا بال)

باطون، معدن، زجاج، حجر منحوت أو بري. من خطط وبنى المبنى أراد أن يقول، "حقيقتي هي في المواد المكشوفة"، الا أن الاسرائيليين لم يحبوا اللون الرمادي. اعتقدوا أنه يهدد.

"هذه الليلة تم تفجير مبنى اتحاد نقابات العمال الهستدروت. مبنى مقر اللجنة التنفيذية، هنا أمامنا، هنا تحت نافذتك تم تفجيره الليلة"، قال فوكس لشتوكس في مسرحية قصيرة كتبها إفرايم كيشون، "أنا لم أسمع اي تفجير"، يجيب شتوكس ويستاء لماذا كان يجب عليه الاستيقاظ من أجل خبر كهذا. "ماذا يعني أنك ستنام في الوقت الذي يتم فيه تدمير نصف العالم؟! هل تعلم ماذا يعني تفجير مبنى كهذا في الليل؟! هل تفهم ماذا يعني هذا؟"، فيستاء فوكس، ويقسم أنه على الرغم من أنه لم يسمع لا هو ولا شتوكس تفجيرا، فالمبنى مدمر.

بعد جدال وأمور مسلية جدا، فتح الاثنان النافذة ولاحظا أن المبنى يقف معاندا. اشتكى شتوكس ودافع فوكس عن نفسه ويقول: "الليلة فجروا، وحتى الصباح بنوه من جديد". شتوكس يعاند ويقول: "هل يبدو لك أن هذا منطقي أنه يمكن إنشاء مبنى ضخم كهذا في ليلة واحدة؟!". ويحصل على إجابة ساحقة: "… أنت لا تعرف ما يمكن لاتحاد نقابات العمال الهستدروت أن يفعله".

"هذا هو المبنى الرسمي الأول الذي أقيم هنا"

المجمع كله كبير جدا ويشتمل على المبنى الرئيسي ذي الواجهة الاكبر المطلة على الشارع، وثلاثة مباني مكاتب أخرى وانت تمر من أمامها تمشي نحو مدخل المبنى الرئيسي. "يجب عليك أن تفهم الانتشار المبني بالنسبة إلى المساحة المفتوحة". يوضح يعقوبسون ، "العشب الاخضر الكبير هو في الواقع ‘حديقة رسمية‘، لديه وظيفة، وهي تمجيد المبني، المنطقة. هو يمجد العلاقة بين الشارع والمبنى. بين المساحة المفتوحة والمبنية".

عندما نقف أمام المبنى نفسه، عن قرب تماما، نشعر ايضا اليوم احترام وزنه التاريخي. "يجب فهم قوة المبنى" ، يقول يعقوبسون، "في عام – 1953 كان هو مجمع المكاتب الاكبر في تل ابيب، وعلى ما يبدو في البلاد كلها. لم يكن هناك شيء من هذا القبيل".

درابزين الدرج الذي يؤدي الى الطوابق العلوية (تصوير: ديانا فال)

تم شراء قطعة الأرض من قبل اتحاد نقابات العمال الهستدروت من "مجموعة سائقي دان"، التي تم تخطيطها لبناء حي سكني في المكان. المنطقة كانت حينها منطقة خالية، بالقرب من كفار صامويل، منطقة برية، نامية، غير مبنية. بلغت تكلفة بناء المجمع مليون وربع المليون ليرة (حوالي – 42 مليون شيقل اليوم). "عندما تم بناء المجمع، بين عامي 1949 و 1953، كان لا يزال هناك في البلاد نظام تقشف"، يقول يعقوبسون. ويضيف: "عاش الكثيرون في محطات انتقالية، ولا تزال هناك أصداء من حرب الاستقلال، ولم يكن هناك حتى الآن أي مبنى لكنيست إسرائيل في القدس، ولم يكن هناك أي شيء. في الواقع، هذا هو أول مبنى رسمي يقام هنا".

خطط المبنى المهندس المعماري دوف كارمي، الذي حاز لاحقا على جائزة اسرائيل، وقاد طاقما كبيرا من المهندسين المعماريين، المهندسين والمصممين، ومن بينهم تسفي ملتسر، مريان غرينهاوز، ملكيئيل كوتلفيتش، يتسحاق يشر، يتسحاق موشيه لفكوفيتش، مئير تسرفاتي ومارك فينتل. التصميم هو بروح الاسلوب الذي خططه المهندس المعماري البرازيلي المعروف اوسكار نيماير.

للمبنى واجهة (مظهر خارجي زائف) من الباطون المكشوف، متعددة – الطبقات، ثلاثية – الابعاد، بنموذج يستحوذ كل مساحتها ويستخدم كنظام تظليل لنوافذ المكاتب. فقط في مقدمتها نوافذ زجاجية كبيرة.

"العامل المراقب على الداخلين الى المبنى" (تصوير: ديانا فال)

كانت الفكرة الرئيسية للمخططين هي إنشاء مبنى مكاتب يكون العامل في مركزه الموظف، العامل. وبالتالي، يكون لكل موظف مكتب، ولكل مكتب نافذة واحدة على الأقل. جميع النوافذ مظللة بنظام تظليل ثابت، وتكييف الهواء في المكاتب لطيف. تم بناء جميع واجهات المباني في المجمع بهذا الشكل. " كان هذا قبل اختراع التريس المعروف"، يوضح يعقوبسون، ويضيف: " هذا مصنوع من البلاستيك، الذي يتحرك، وكان أكثر تطورا".

"نشعر أنه أحد المباني الهامة"

عندما نصعد على درجات مدخل بهو المبنى، نفهم أن الخوف كان عبثا. البهو مليء بالناس، نساء ورجالا، يتحدثون اللغة العبرية واللغة العربية، علمانيين ومتدينين. المقدمة مثيرة للاعجاب مع تماثيل برل كتسنلسون ودافيد بن – غوريون. يوجد فيها قضيب صممه يوحنان سيمون، الذي يدمج صورة العامل المراقب على الداخلين الى المبنى"، يقول يعقوبسون، ويضيف: "ودرابزين الدرج الذي يؤدي الى الطوابق العلوية".

طابق المدخل في مقر اللجنة التنفيذية. "في مركز البهو يوجد نقطة أمن كبيرة وهي النقطة الاصلية من سنوات الـ – 50" (تصوير: ديانا فال)

اليوم المبنى قيد الترميمات. "لم نلمس البهو"، تقول المهندسة المعمارية لاتحاد نقابة العمال الهستدروت، يفعات غبريئيل. في مركز البهو يوجد نقطة أمن كبيرة وهي النقطة الاصلية من سنوات الـ – 50، كما أن درابزين الدرج والدرابزين اصلية، وبالطبع القضيب الذي صممه يوحنان سيمون".

"المكان يبدو مختلفا"، تقول وتضيف: "بدأنا رويدا رويدا بالتفكيك والتعامل مع المناطق العامة. أدخلنا مرافق أخرى – مقهى، غرفة طعام مرممة. أمورا جديدة، عصرية، لكنها ليست مفاخرة ولا فرقعة. نحن نضيف مواد تسخن الحجر الصلب في المبنى. لا يوجد موظف يختم بطاقة العمل بعد الآن، بل مكان الذي يرى العامل، الذي يمنح الاحترام للانسان العامل".

تمثال برل كتسنلسون بجانب المكتبة مع كتب من اصدار ‘عام عوفيد‘ (شعب يعمل) (تصوير: ديانا فال)

 

"في العمل في المبنى نشعر أنه أحد المباني الهامة" (تصوير: ديانا فال)

"المكاتب"، توضح غبريئيل، وتضيف: "هي ليست مكاتب هاي – تيك، بالمفهوم الايجابي. هي ليست منطقة عمل مفتوح الذي يجب على كل موظف أن يجد فيه مكانا للجلوس. لكل موظفة وموظف توجد زاوية عمل خاصة بها، مع نافذة، طاولة وحاسوب". " في العمل في المبنى نشعر أنه أحد المباني الهامة . نعمل هنا في محاولة لضغط الكثير من الافكار في مبنى واحد. يبدو واضحا أن مصممي المبنى كانوا مهندسين ويبدو واضحا أنهم كانوا رجالا. يوجد هنا الكثير من الغرور الرجولي".

"قمتم ببناء مبنى فخم وذي هيبة"

"مبنانا ليس مبنى حجارة، بل مبنى قلوب"، كتب برل كتسنلسون عن اتحاد نقابات العمال الهستدروت. "حجر موضوع في المكان الذي يجب أن يوضع فيه، قلب الانسان دائما ذواق، دائما يتحرك. هذا المبنى بحاجة دائما الى التجديد، الفحص والتشخيص، ودائما يجب السؤال هل الخط منحرف مقارنة مع الرؤيا".

شخصية برل تنظر الى الداخلين والخارجين من المبنى بنظرة حازمة لكنها ابوية. "حاولوا بناء ‘قصر العمال‘ مشابها لـ ‘قصر الثقافة‘ الاوروبي"، يوضح يعقوبسون. "المبنى ضخم ويشتمل على 302 مكتبا، غرفة جلسات وكافتيريا، لكنهم لم يتمكنوا من دمج عناصر تصميمية خاصة في داخله وكذلك لا مساحات كبيرة على وجه الخصوص".

ربما هم لم يرغبوا، فالمبنى كبير إلى هذه الدرجة إلى درجة أنه من غير الممكن تجاهله. دافيد بن غوريون ، رئيس حكومة الدولة الشابة، تم استدعاؤه الى حفل افتتاح المبنى ورفض الحضور في البداية. " قمتم ببناء مبنى فخم وذي هيبة"، استفز رؤساء اتحاد نقابات العمال الهستدروت. "أنا ما كنت لأفعل ما فعلتموه، ولكن طالما فعلتم، سـأحضر". وهكذا وصل مع زوجته وألقى كلمة أيضا.

وليس فقط رئيس الحكومة. فقد حضر أيضا رئيس الدولة يتسحاق بن تسفي وزوجته، رئيس الكنيست يوسف شبرينتسكي وزوجته، وزراء ووجهاء جمهور آخرون. "قريبا من الساعة 5"، كُتب في ‘دفار‘، في اليوم التالي، بتاريخ – 2 من تموز/ يوليو1953، "ظهر الرئيس ورئيس الحكومة، جمهور الحضور وقفوا على أرجلهم وهتفوا على شرف حضورهم. تم سماع ضربة المطرقة، رئيس الجلسة، د. زكاي، الذي كان السكرتير الأول للجنة التنفيذية، افتتح الجلسة. في قيادة الدولة: الرئيس، رئيس الحكومة وأعضاء اللجنة المركزية، وفي السطر الذي يليه – وزراء الحكومة".

كما كُتب أيضا في الصحيفة في نفس اليوم: "مقر اتحاد نقابات العمال الهستدروت هو مركز، يخدم ثلاثة – ارباع المليون شخص الذين يرتبطون بالمنظمة العظيمة هذه المسماة نقابة هستدروت العمال العامة. مئات آلاف العمال والعاملات – في المدينة، في القرية، في المصنع الكبير، في معسكرات القادمين الجدد، الكسارات التي في هعرفاه وفي الجبل، في بواخر الشتات في البحر، في السفن الجوية، في كل خدمات الدولة المختلفة – هذا البيت هو بيت بالنسبة لهم، لشؤونهم الاجتماعية، التنظيمية، الاقتصادية، الثقافية، وفي أحوال كثيرة – السياسية".

اليوم المبنى قيد الترميمات، سطح مبنى اتحاد نقابات العمال الهستدروت، (تصوير: ديانا فال)

على السطح، حفلات وعروض

في الطابق الـ – 7 موجودة قاعة مقر منتخبي اتحاد نقابات العمال الهستدروت، الذي يعتبر "مقر الكنيست" للجان العمال. من القاعة هناك مخرج الى سطح المبنى، الذي جرت فيه في الماضي "حفلات" داخلية، وفي فترة الكورونا، استضاف اتحاد نقابات العمال الهستدروت فيه عروضا تم بثها عن طريق "زوم" الى جمهور العمال. من السطح تظهر جيدا الحديقة الكبيرة في سفح المبنى.

الحديقة، مثل سفارة دولة أخرى

"أسقطنا سور الكرملين"، قال رئيس اتحاد نقابات العمال الهستدروت ارنون بار – دافيد، في اليوم الذي تم فيه ازالة قطعة السور الاخيرة التي أحاطت بالمجمع. "بالنسبة لي كمولود في تل ابيب وكمن عمل فيها طيلة سنوات حياته، افتتاح هذه الحديقة معناه أن هذا البيت يفتح أبوابه للجمهور ويفتح التمدن التل ابيبي. لا يوجد أسوار وجدران بعد الآن، بل عشب أخضر مفتوح لابناء الشبيبة، للعائلات، للمتدينين اليهود (الحريديم) والعلمانيين".

الحديقة المجددة التي تم افتتاحها للجمهور الواسع. خططها: مهندسة معمارية للمناظر حفي ليفنه والمهندس المعماري المسؤول تساحي اسا (تصوير: ديانا فال)

 

"مكتبة مفتوحة للجمهور" (تصوير: ديانا فال)

خطط "حديقة اتحاد نقابة العمال الهستدروت" الاصلية المهندس المعماري للمناظر يتسحاق كوتنبر، وهي اشتملت في الاساس على عشب أخضر كبير، التي استخدمت لسنوات طويلة كمكان تجمع للعمال وكذلك لغرض الاحتجاجات. في سنوات الـ – 50 والـ – 60، اعتاد أطفال تل ابيب الاحتفال فيها بعيد الاسابيع، وفي السنوات الاخيرة- جرت فيها في كل سنة مسيرة الأول من ايار/ مايو لاتحاد نقابة العمال الهستدروت وحركة الشبيبة العاملة والمتعلمة.

الحديقة المجددة التي تم افتتاحها للجمهور الواسع. خططها: مهندسة معمارية للمناظر حفي ليفنه والمهندس المعماري المسؤول تساحي اسا. مشروع ترميمها استغرق حوالي سنة، واليوم دُمجت فيها زوايا معلومات تاريخية، مسار حركات الشبيبة، مكتبة عامة ومقهى، وفي الايام المشمسة تكون مزدحمة بالزائرين.

عندما ندخل الى الحديقة نشعر وكأننا ندخل الى سفارة دولة أخرى. التناقض بين مباني المكاتب المتلألئة – الأبراج الزجاجية في تل أبيب، وبين الحديقة التي تحد شارع مباني الباطون المكشوف تناقض حاد. "قبل حوالي سنتين، عندما تم انتخاب ارنون (بار – دافيد)"، يقول المحامي اوفير القلعي مدير عام اتحاد نقابات العمال الهستدروت، "هو قال أن حلمه هو فتح اتحاد نقابات العمال الهستدروت للجمهور الاسرائيلي. بن غوريون قال: ‘التاريخ لا يُكتب، التاريخ يُصنع‘، وارنون صنع هنا تاريخا".​