يوافق معظم الباحثين على أن برامج الاستثمار الكبرى التي أعلنت عنها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الحكومات في أوروبا تشكل خطوة حيوية للخروج من الأزمة . إلا أن الخطاب الإقتصادي الأمريكي بدأ يركز في الخطوة التالية لإدارة بايدن: رفع الحد الأدنى للأجور.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

موضوع الدعم لرفع الحد الأدنى للأجور كان ولا يزال موضوعا يثير الجدل ومشحونا سياسيا. ويمكن لنا أن نفهم لماذا. فمن على جانبي الحاجز توجد هناك مجموعات مع مصالح معاكسة: من ناحية، أصحاب العمل الذين هم معنيون بالمحافظة على أكبر قدر ممكن من المدخولات وتحويلها إلى أرباح، ومن الناحية الأخرى العمال، وعلى وجه الخصوص العمال المنظمون الذين هم معنيون بالذات في رفع نسبة المدخولات التي تتحول إلى أجر. وبين هذين الموقفين يوجد هناك بطبيعة الحال تنوع واسع، في داخله يجري النقاش الأكاديمي بخصوص نجاعة رفع الحد الأدنى للأجور.

حتى الآن تحدثوا عن الجهاز الإقتصادي، ولكن ليس عن تقسيم الكعكة

النقاش، بطبيعة الحال، لا يدور حول القضية الأساسية وهي التوازن المرغوب بين نسبة المدخولات التي تترجم إلى أرباح لأصحاب الشركة وبين نسبة المدخولات التي تترجم إلى أجر. معظم النقاش الأكاديمي في موضوع رفع الحد الأدنى للأجور يتعلق في اسئلة دقيقة حول تأثير مثل هذه الخطوة أو غيرها على النشاط الإقتصادي في الجهاز الإقتصادي: هل يؤدي رفع الحد الأدنى للأجور إلى زيادة الإنتاجية، إلى تشجيع العمال على الخروج إلى العمل، إلى الإستثمار في التأهيل وتطوير رأس مالهم الإنساني، أو في مقابل ذلك إلى عمليات فصل من جانب اصحاب عمل الذين لا يستطيعون أن يسمحوا لأنفسهم أن يستمروا في التشغيل بأحجام كبيرة، ما سيؤدي إلى انخفاض الطلب على العمال، وكنتيجة لذلك سيؤدي أيضا إلى انخفاض في الأجر.

من المفهوم أنه من غير الممكن توقع إجابة لا لبس فيها وواضحة تكون سارية على كل الأوضاع والأجهزة الإقتصادية، إلا أن النقاش في الموضوع آخذ في التصاعد في الأشهر الأخيرة، بشكل خاص بفضل زخم القرارات الإقتصادية التي تتخذها إدارة بايدن.

بالإضافة إلى الإستثمارات الضخمة التي تعد بها الإدارة في ثورة البنية التحتية للطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستؤدي إلى ارتفاع دراماتيكي في الطلب على العمال، فقط هذا الاسبوع أعلن بايدن عن خطوة إضافية ومكملة. في يوم الثلاثاء (27/04) وقّع بايدن على أمر رئاسي يؤدي إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعمال في الشركات التي تقوم بأعمال مقاول لصالح الإدارة الفيدرالية من – 10.59 دولارات إلى – 15 دولار.

الرئيس جو بايدن يقترب من يومه الـ – 100 في منصبه 100. (تصوير: AP / Patrick Semansky)

يدور الحديث عن الرفع الذي ناضلت من أجله منظمات العمال في الولايات المتحدة الأمريكية في الواقع منذ عدة سنوات. إلا أن الحديث لا يدور عن تغيير قانون الحد الأدنى للأجور الفيدرالي، الذي كان سيؤدي إلى رفع الحد الأدنى للأجور بشكل فعلي لجميع العمال في الولايات المتحدة الأمريكية، يدور الحديث على ما يبدو عن قرار الذي سيؤثر على المستوى الفوري على مئات آلاف العمال. مغزى القرار هو أن العمال الذين يتم تشغيلهم من قبل الإدارة الفيدرالية في إطار خطة الإستثمار سيحظون بحد أدنى للأجور أعلى بكثير نسبة إلى الوضع القائم اليوم.

رفع الحد الأدنى للأجور هو دعم للعمال وهو أيضا دعم للجهاز الإقتصادي

السؤال الذي يُسأل هو إذا ما كان الحديث يدور فقط عن هدية التي قدمها الرئيس بايدن إلى العمال، والتي ربما ستساعد في تقليل مستويات عدم المساواة الهائلة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها تأتي على حساب الإنتعاش الإقتصادي ، أو عن خطوة ستساهم كذلك في الإنتعاش. نُشر في الآونة الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية بحثين اللذين يدعمان بالذات النظرية الثانية.

الأول، الذي أُجري من قبل دسيو كوبليو من جامعة منتريال، الذي فحص تأثير رفع الأجور على النشاط الإقتصادي لشبكة ‘دفرتمنت‘ التي تشغّل حوالي – 2.000 فرع في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بين السنوات 2012 – 2015. في إطار التجربة، فإن العمال الذين عملوا مقابل الحد الأدنى للأجور حصلوا على إضافة (بونوس) إذا نجحوا في الوصول إلى أهداف تم تحديدها مسبقا. ووجد كوبليو أنه بعد رفع الحد الأدنى للأجور، في وسط فترة التجربة، فإن نسبة العمال الذين نجحوا في الوصول إلى الهدف والذين حصلوا على الإضافة (البونوس) إرتفعت بنسبة ملحوظة. وكان استنتاجه أن الإرتفاع في الحد الأدنى للأجور أدى إلى مثابرة العمال في العمل طوال الوقت، والتخصص في مهامهم الروتينية، إلى زيادة الإنتاجية، وفي نهاية المطاف إلى الوصول إلى الأهداف والحصول على الإضافة (البونوس).

ووفقا للباحثين، فان رفع الحد الأدنى للأجور يرتبط ارتباطا مباشرا بزيادة إنتاجية العمل ، كنتيجة للرفع في جودة العمال المجندين، وانخفاض في نسبة تغيير العمال. هذه الأمور، يدعي الباحثون، تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في جودة الخدمة التي تقترحها الشركة على زبائنها، الأمر الذي يتيح لها أن ترفع الأسعار من دون أن تفقد الزبائن، وبذلك تعوض التكلفة المتزايدة لأجور العمال. خلاصة القول، يدعي الباحثون، أن حدا أدنى للأجور أعلى يؤدي إلى زيادة في الإنتاجية الإقتصادية وفي النجاعة، وحينما تكون هناك مدخولات أكثر، من الممكن زيادة حصة كل الشركاء في الكعكة.

على ما يبدو أن إدارة بايدن ترى الأمور من هذا المنظار. وفي بيان من إدارة بايدن إلى وسائل الإعلام في أعقاب القرار قيل أن رفع الأجر لن يؤدي إلى رفع نفقات أصحاب العمل، لأن الأمر يتيح "لأصحاب العمل المحافظة على مستوى عمال مرتفع طوال الوقت، ذوي حد أقصى من المهارات، وبالتالي تقليل النفقات التي تتعلق في تجنيد عمال وتأهيلهم. تبين أن مستوى تأهيل مرتفع وتشغيل طوال الوقت يؤديان إلى إنتاجية أعلى وإلى انخفاض في نسبة التغيب لدى العمال، كذلك تخفيض في نفقات الإشراف على العمال".

أهمية هذه النتائج لا تتعلق فقط في أجرة العمال، إنما في الجهاز الإقتصادي كله. حقيقة أن رفع الحد الأدنى للأجور من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتحسين أداء الشركات هي أمر بالغ الأهمية في تخطيط الخروج من الأزمة الإقتصادية للكورونا. بكلمات بسيطة ، وفقا لهذا البحث، فإن رفع الحد الأدنى للأجور من شأنه أن يعطي دفعة للجهاز الإقتصادي، الذي سيساهم في الخروج من ركود الكورونا.

رفع الحد الأدنى للأجور يرفع جودة العمل

البحث الثاني أُجري من قبل كريستا روفيني، باحثة في البنك الفيدرالي في مينسوتا، وأجري على عمال في بيوت المسنين. هذا البحث يدعم نتيجة البحث الأول، لكن من زاوية مختلفة قليلا. روفيني فحصت تأثير رفع الحد الأدنى للأجور على جودة العمل وحجم التشغيل في بيوت المسنين بين السنوات 1990 – 2017.

لافتة احتجاجية حول رفع الحد الأدنى للأجور إلى – 15 دولار في سياتل (تصوير أرشيف: AP Photo / Ted S. Warren, File).

ووجدت روفيني أنه ليس فقط أن رفع الحد الأدنى للأجور لم يؤدي إلى انخفاض في حجم التشغيل في بيوت المسنين تلك، بل أن جودة العمل في نفس المؤسسات ارتفعت بشكل رائع. ووجدت روفيني علاقة بين رفع الحد الأدنى للأجور في دول التي عملت فيها نفس المؤسسات وبين انخفاض دراماتيكي في نسبة وفيات النزلاء. وكانت استنتاجاتها أن الرفع بنسبة 10 % في الحد الأدنى للأجور أدى إلى إنخفاض 15 ألف حالة وفاة في بيوت المسنين في الولايات المتحدة الامريكية (3 %).

وأشارت روفيني إلى اسباب متنوعة في الإرتفاع في جودة العمل كنتيجة لرفع الأجور. أحد العناصر الرئيسية التي أشارت إليها هو انخفاض في تغيير العمال واستمرار أطول في العمل، ما ساعد العمال في التخصص في العمل وتطوير علاقات مع النزلاء. وأشار البحث أيضا إلى أن إمكانية رفع الاجور دفع بالعمال إلى العمل بشكل جدي أكثر، ومن البداية تجذب عمالا ذوي تأهيل أكبر.

النتائج التي خلصت إليها روفيني قد تكون دراماتيكية في كل ما يتعلق بنمذجة العلاقة بين رفع الحد الأدنى للأجور وبين زيادة الإنتاجية والنمو. التعبير الذي اكتسب زخما في الآونة الأخيرة في صفوف الاقتصاديين هو "أجرة نجاعة"، أو في كلمات أخرى، محاولة لتوحيد بين قضية أجرة العمل وقضية الإنتاجية والنجاعة الإقتصادية. إحدى المعارك التي ستجري على ما يبدو في الميدان الفكري الاقتصادي في السنوات الأخيرة، بشكل كبير في تشجيع أزمة الكورونا، هي إذا كان من الواجب الربط بين الأمرين. إذا كانت الإجابة هي نعم، فإن الطريقة التي سنسأل عنها حول قضية الحد الأدنى للأجور قد تتغير بشكل دراماتيكي.

تغيير دراماتيكي في الخطاب الإقتصادي

ويدعي نفس الإقتصاديين أنه في العقود الأخيرة، فان الإرتفاع في نسبة العمال المنظمين في الولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى تآكل مستمر في الأجور وخلق وضعا عاش فيه كثير من العمال تحت ما يسمى "أجرة المعيشة": راتب يمكن أن يتيح للعمال العيش بكرامة، من دون الإضطرار إلى العمل في وظيفة إضافية.

وقال داعمو التآكل في أجور العمال على مدى عقود أن خطوات سياسات محافظة أو ليبرالية جديدة (نيو ليبرالية) تؤدي إلى زيادة الإنتاجية ، لأنهم يخصصون موارد إضافية لاستثمار اصحاب الأسهم، ما يخلق محفزا آخر من جانبهم للإستثمار في توسيع النشاطات الإقتصادية، التي سيستفيد منها الجميع، وكذلك العمال.

ومع ذلك، فان مصطلح "أجرة النجاعة" يغيّر على الإطلاق شكل الخطاب في موضوع الأجور. إذا، كما يدعي هذان الإقتصاديان، وكما يبدو يؤمن المستشار الإقتصادي للرئيس بايدن، تآكل الأجور في العقود الأخيرة وصل إلى مستوى كهذا الذي هو بحد ذاته يضر بالإنتاجية، ربما يكون في السنوات القريبة تغيير اتجاه دراماتيكي في الفكر الإقتصادي، الذي سيرافق الثورة الفكرية التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية في كل ما يتعلق بالسياسة، من سياسة مالية وحتى إلى سياسة تشجيع التنظيم ورفع الحد الأدنى للأجور.