"في أحد الايام في عام – 2007 التقيت بيحيى في المفترق، كان مطر جنوني وقلت له أن يصعد إلى المركبة، الا أنه لم يوافق. توسلت إليه، حتى أتى بالفعل، فهو خاف مني في البداية"، يتحدث المخرج السينمائي بدران بدران، عن بطل فيلمه الوثائقي "اغوروت"، الذي يصف حياة الأطفال الفلسطينيين الذين يتسوّلون الصدقات في المفترقات في شوارع إسرائيل.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

عشرات إن لم يكن مئات الأطفال الفلسطينيين أبناء 8 أعوام حتى 15 عاما هم جزء من الظاهرة . هم مستغَلّون على أيدي أصحاب عمل الذين يجرفون معظم الارباح، لا يتعلمون في المدرسة، الا أنهم يساعدون في اقتصاد بيتهم. من يقود مركبته في شوارع وادي عارة والشمال يرونهم بعدد غير قليل، الا أنه لا يعرف ماذا يحدث لهم قبل وبعد الوقت القصير الذي يكون فيه شعور بعدم الارتياح عندما يدق نفس الطفل على نافذة المركبة التي توقفت بالصدفة في المفترق. بدران الذي يبلغ من العمر (43 عاما) رافق همام وشقيقه الأكبر يحيى ، ابنان لعائلة تعاني من ضائقة اقتصادية في مخيم اللاجئين في طولكرم، لمدة 10 سنوات، في المفترقات، في المخبأ، في الحواجز وفي بيتهما. الفيلم يوفر لمحة لا تُنسى لحياة أطفال الذين وُلدوا في الطرف غير الصحيح من الجدار.

"عرفت أنه ليس فقط يحيى في المفترق، يوجد هناك أطفال آخرون، يوجد أكثر من – 1.000 طفل في محور الناصرة – الطيبة. رأيت أطفالا تم دهسهم، طفل واحد طار 3 أمتار في الهواء، قام وبدأ بالركض"، يتحدث بدران عن المانع من إنتاج الفيلم. قبل ثلاثة أشهر دُهس فادي الذي يبلغ من العمر الـ – 7 أعوام من الخليل، في الوقت الذي كان يتسوّل صدقات في مفترق ابلايم . مكث الطفل شهرا ونصف الشهر في العلاج المكثف في مستشفى رمبام، وفي الوقت الحالي يجتاز تأهيلا في مستشفى ليفينشتاين. "هؤلاء الأطفال يتعرضون للاغتصاب بالفعل، يلتقون بحيوانات برية، كلاب، بنات آوى، عقارب. نام يحيى في داخل قناة للمياه العادمة . يعانون في المطر وفي الحرارة".

في أحد المشاهد القاسية في الفيلم، يلعب الاخوان في حديقة ألعاب في أم الفحم، حيث يحاول يحيى أن يقنع شقيقه الصغير أن يعود إلى المفترق من أجل الاستمرار في العمل. "إذا عرف والدي أننا خسرنا المفترق فإنه سيضربنا"، يقول يحيى خلال تأرجحه على الأرجوحة، بين الطفولة وثِقل إعالة العائلة ولقاء الشر البشري. الا أن همام لا يريد العمل، فهو يريد أن يلعب. وهو يعارض. يحيى يهدد، الا أن همام يهرب، ويحيى لا يجده. غربت الشمس ويستدعي يحيى الوالد من طولكرم. يبحثان عن الشقيق الأصغر، ولا يجدانه، يذهبان للنوم في مغارة، البيت غير المنتهي الذي يختبئ فيه الشقيقان من البرد والمطر، ويواصلان البحث في الصباح.

لاح نور الصباح وحتى الآن لم يجدا همام، حتى يتلقى الوالد اتصالا هاتفيا يبشره بأن همام موجود في حاجز طولكرم. بعد ذلك بعدة ساعات يتبين أن شرطيا عربيا إسرائيليا وجده ونقله إلى مناطق السلطة. يتحدث بدران عن الصعوبة في البقاء خارج هذا الواقع المتطرف كمخرج. "قلت في نفسي إذا كنت لا مبال وبعيدا، فسأجلب القصة الحقيقية . كانت هناك حالات كسر فيها السائقون أسنانه. في البداية لعب في الكاميرا، حتى أصبحت الكاميرا جزءا من المنظر العام، وهو لم يشعر بها. كذلك عندما كنت في المغارة، في المكان الذي ناما فيه، هو لم يهتم بالكاميرا. كنت موجودا مع أحاسيسي وألمي، ومع الضمير، ومتى ينتهي هذا. كل الوقت توجد فواجع (دراما). من وراء هذا الطفل توجد قصة كاملة".

"في اللغة العربية يقولون ‘بوس الكلب من تمه، حتى تاخذ حاجتك منه‘. هكذا تطرقت لاصحاب العمل، أنا أطلق عليهم اسم قوادون، لانهم هم كذلك، فمن دونهم لم أكن استطيع أن أجلب القصة"، يصف بدران مرحلة العمل الطويلة. "طوال الوقت كنت لطيفا معه، قلت له أنني أفهم وضعه، وبأن الناس اساءوا إليه، لكن في قلبي فرحت. رأيت كيف يتعامل مع الاطفال".

"صاحب العمل يفرض عليه ويمنعه من أن يتحدث مع الناس، ممنوع عليه أن يفعل أي شيء. في نهاية الامر اصبح يحيى متسوّلا مستقلا، لكن هذا مع الكثير من النضالات والعنف. يستطيع أن يربح 1.000 – 1.500 شيقل عن 4 أطفال. طفل واحد يستطيع أن يُخرِج 200 – 500 شيقل. الطعام لا يكلفه شيئا، لأنه يُطعمهم القاذورات. وهو يبيتهم في المسجد أو على الحجارة، لذا لا توجد هناك الكثير من النفقات".

"ليس كل السائقين يعرفون أنه يوجد للأطفال صاحب عمل، وهم يعطونهم المال لأنهم يشفقون عليهم. صاحب العمل ليس لديه ضمير، وهو انسان قاس جدا، ليس رحيما، ليس لديه إله. ما يهمه هو أن يعمل الطفل ويتسوّل، يأخذ 80 %، ويتبقى لوالدي 20 % وللأطفال أغوروات. 95 % من اصحاب العمل هم من المناطق الفلسطينية، معدل أعمارهم هو 21 – 28 عاما، من ينقلونهم هم بشكل عام عرب اسرائيليون، من أم الفحم، الطيبة، الناصرة. يحصلون على الكثير من المال. السفر من طولكرم يكلف 400 شيقل، الوالد يدفع أو أن صاحب العمل يخصم من الطفل".

يتحدث بدران أنه يحافظ على العلاقة مع ابطال الفيلم، من بينهم يحيى، الذي يدخل ويخرج من السجن في إسرائيل لعدة سنوات في الواقع، ويواجه الإدمان على المخدرات والوضع النفسي غير المستقر. " هذه ظاهرة صعبة التي ليس لها حل سحري . أردت أن يأخذهم إطار تعليمي ويعلّمهم القراءة. ولا اي واحد منهم يعرف القراءة والكتابة. كانت هناك جمعية في الناصرة التي حاولت الاهتمام بهم ، الا أن أولياء أمورهم عارضوا. الشرطة تقوم بعملها بشكل مقلص، السلطات في السلطة الفلسطينية تعمل بشكل أقل. يجب أن تكون هناك جلسة كبيرة بين السلطة الفلسطينية وبين الكنيست ، بحيث يكون هناك قرار قاس ضد اصحاب العمل، بدون ذلك لن يتم حل أي شيء".