
"أبناء الشببة يتجولون. الشبيبة تسير بدون هدف. منظمات الإجرام تدخل إلى الفراغ الذي أنشأته الدولة"، هكذا تصف الدكتورة رغدة النابلسي، عاملة اجتماعية وباحثة في المركز الأكاديمي روفين، تأثير الجريمة المتزايدة في البلدات العربية على ابناء الشبيبة. " الشبيبة التي تفتقد إلى العمل، التي لا تعمل ولا تتعلم، هي بدون رؤيا. لا يوجد للشبيبة بديل، لا أحد يريهم الطريق الآخر".
أكثر من 100 مواطن عربي قُتلوا منذ مطلع عام 2021 في أعقاب ملابسات التي تتعلق بالجريمة والعنف، كثير منهم شباب، قسم منهم طلاب مدرسة. أبناء الشبيبة هم ضحايا بشكل مباشر وبشكل غير مباشر للعنف الذي يتفشى، الا أنهم أيضا يعتبرون من مرتكبيه. وفقا لأقوال النابلسي، زيادة الاستثمار في المدارس وفي جهاز التربية والتعليم غير الرسمي يمكن أن يُحدث تغييرا. "في المجتمع العربي لا توجد ثقافة جريمة"، تقول النابلسي، "يوجد هناك أشخاص الذين يأخذون القانون إلى أيديهم بسبب الإهمال، وعدم تحمّل المسؤولية عن الأمن الشخصي وعن تطبيق القانون. الشبيبة تتبنى أنماط سلوك العنف، وتخريب الممتلكات العامة، كإشارة إلى الضائقة. لا يوجد من يكون هناك ويهتم بالأمر".
أزمة ثقة
استطلاع الشبيبة العربية الذي أجراه مركز الابحاث ‘ركاز‘ في جمعية الجليل لعام 2020، والذي تم نشره في شهر أيلول/ سبتمبر الأخير، كشف عن أزمة ثقة بين الشبيبة العربية وبين مؤسسات الدولة، لكن أيضا بين محافل القيادة في المجتمع العربي. وفقا للاستطلاع، فان 68.5 % من أبناء الشبيبة لا يثقون على الإطلاق أو أنهم لا يثقون ولو قليلا بالحكومة، 62.9 % لا يثقون بالشرطة، و – 62.5 % لا يثقون بالبرلمان الإسرائيلي. إلى جانب ذلك، فان 54.8 % من أبناء الشبيبة لا يعتمدون على وسائل الإعلام العربية في الدولة، و – 47.9 % يعتمدون قليلا أو لا يعتمدون على لجنة المتابعة العليا لشؤون المجتمع العربي.
"من أجل فهم وضع الشبيبة العربية يجب فهم السياق الشامل"، تقول النابلسي، "المجتمع العربي هو أقلية قومية في إسرائيل. ويعاني من التمييز في كل مجالات الحياة. تقارير الفقر من السنوات الأخيرة تشير إلى ارتفاع في نسبة الفقر في صفوف النساء والقاصرين العرب. اليوم 53 % من القاصرين العربي يعيشون في فقر. يوجد نقص في البنى التحتية في أماكن البلدة، شعور بعدم الأمان".
عندما لا يكون هناك تربية وتعليم جيد، لا يوجد طموح وأحلام
أحد جذور الأزمة، التي وفقا لأقوال النابلسي قد تحلها ايضا، هو الفجوات في التربية والتعليم. "التربية والتعليم هو أمر أساسي، والدولة تهمله. لفجوات استثمار الدولة بالطالب العربي مقارنة مع الطالب اليهودي توجد تأثيرات. الشبيبة تبحث عن طرق لتمضية أوقات فراغها. أنا ترعرعت في الرملة، في مدينة مختلطة. وتعلمت في مدرسة خاصة، لأنه كان من المعروف أن جهاز التربية والتربية العام ليس جيدا. فهو يمهد الطريق إلى التعليم المهني وليس إلى طموحات عالية".
وفقا للاستطلاع، فان 19.9 % مسجلون في التعليم العالي بينما أنهى 17.4 % تعليمهم الأكاديمي وأنهوا دراستهم. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر المعطيات أن 10.4 % من مجموعة الشبيبة بشكل عام لم ينهوا التعليم الثانوي. بالإضافة إلى أن نسبة المشاركة في سوق العمل وصلت إلى – 64.7 % في صفوف ابناء الشبيبة.
وفقا لأقوال النابلسي، فان الفجوات في التعليم تخلق شعورا باليأس. "التعليم هو أداة للقضاء على العنف، لكن يوجد الكثير من الحواجز في الواقع في أجيال مبكرة أمام الشباب والشابات في الإندماج في التعليم العالي. عندما لا يكون هناك تربية وتعليم جيد فانك تفتقر إلى صورة ذاتية ايجابية، وحينها لا يوجد طموح. وإذا لم يكن هناك طموح لا توجد أحلام. من هناك تبدأ الفجوة".
إلى جانب الفجوات في التربية والتعليم، فهي ترى أيضا بالفقر في صفوف عائلات عربية عائقا أمام النمو. "تعيش العائلات في دائرة بقاء أولية. ليس لديهم الموارد. ومن أجل أن تنمو الشبيبة، فهي بحاجة إلى بيئة تنميها".
"في ساعات ما بعد الظهر لا يوجد شيء يمكن فعله"
تؤكد النابلسي أن الاستجابة المقلصة أيضا في مجال التربية والتعليم غير الرسمي تؤدي إلى تفاقم الوضع. "في ساعات ما بعد الظهر لا يوجد شيء يمكن فعله. لا يوجد مركز جماهيري، حلقات دراسية، ملاعب. هذه مسؤولية الدولة. ترعرعت في البلدة القديمة في الرملة، ومن أجل حضور حلقة دراسية كان يجب على الذهاب بعيدا. الموارد تمت ملاءمتها للمجتمع اليهودي. يوجد اتجاه إلى التغيير، الا أنه لدى الغالبية فان هذا لا يزال واقع الحياة. أبناء الشبيبة يسيرون بدون هدف، وهم ذاهبون نحو الضياع".
التعليم هو قوة لصالح النساء، لكن توجد هناك حواجز
ويبين استطلاع الشبيبة أن الشابات العربيات يكتسبن تعليما أعلى من الرجال: 21.5 % من البنات هن ممن لديهن لقب أكاديمي، مقارنة مع 12.9 % من الأولاد. "التعليم والتربية مهمان للنساء لأن هذا مورد قوة بالنسبة لهن"، توضح النابلسي. "إلى جانب هذا توجد حواجز. ويتوقع من البنات أن يكنّ شريكات في عبء الأعمال البيتية وفي تربية الاخوة الصغار. هذا يؤثر على توجهاتهن لتحقيق أنفسهن، على وجه الخصوص في عائلات التي تفتقد إلى الموارد. عندما تكون هناك أطر بعد الظهر للفتيات، لدى الغالبية هذا ليس سهل الوصول وليس ملاءما للسياق الثقافي. هذا يبقي على انعدام المساواة".
"حان الوقت للتعامل معنا على أننا مواطنون متساوو الحقوق أصحاب هوية خاصة"
على خلفية تخصيص موارد كثيرة للمجتمع العربي وفي مكافحة الجريمة، تؤكد النابلسي انه مطلوب أيضا الاعتراف من جانب المجتمع اليهودي بالهوية المركبة لمواطني إسرائيل العرب. "أنا أتساءل هل هناك رغبة حقيقية من جانب الدولة للقيام بالتغيير بطريقة تحترم المجتمع العربي" تقول النابلسي. "كمواطنة أشعر أنني مطاردة، كمن تشكّل تهديدا، على أنني أساوي أقل. أنا لا أريد أن أتجول في مجمع تجاري (كنيون) لكي لا أسبّب الذعر عندما أتحدث باللغة العربية. الا أن الوضع اليوم هو أنه عندما تكون هويتي حاضرة، فان هذا يثير الشبهات تجاهي".
"وجهة نظر الفصل في المجتمع تؤدي إلى الضرر"، تقول النابلسي، "المجتمع اليهودي يتم تغذيته بأفكار نمطية، وبالطبع أيضا يوجد للمجتمع العربي مواقف وآراء مسبقة تجاه المجتمع اليهودي. هذا يؤثر على إدارة السلوك في كل المستويات، في الشارع، في المراحيض العامة، في المساحات المشتركة. توازن القوى يتعافى هناك. حان الوقت للتعامل معنا على أننا مواطنون متساوو الحقوق أصحاب هوية خاصة، كبشر".
يجب على المجتمع العربي أن يفهم الهوية وخصوصية الجيل الشاب
إلى جانب التغيير المطلوب في سياسة الحكومة، تلمح النابلسي أيضا إلى المواجهة الداخلية المطلوبة في داخل المجتمع العربي: فهم وانفتاح جيل الكبار على التجارب والتحديات الخاصة بالشباب اليوم. "نحن مجتمع في أزمة، توجد فجوات بين الاجيال. الجيل الشاب منكشف على عالم الذي لم يعرفه والداي. لا توجد لدى الوالدين أدوات للتربية. يجب العمل على تجسير هذه الفجوات. ابني يدعوني إلى التعامل مع أمور التي لا أعرفها، أن أتعلم عن حياته كفتى. يوجد الكثير من العمل على هذه التغييرات. هذا انكسار الذي يؤثر على أبناء الشبيبة. لا يوجد إصغاء لاحتياجاتهم. هذه منظومة داخلية ثقافية التي لا ترضيهم. ويبقى الوالدان بلا حول ولا قوة".
"حان الوقت لفهم هوية وخصوصية هذا الجيل، يجب أن نمنحه الاعتراف. هذا موجود في مكان مأزوم في المجتمع العربي. حتى الآن التركيز هو على المجتمع وليس على الفرد. وهذا يربك الشبيبة. من ناحية يقولون لهم ‘اذهبوا لتنموا‘، ومن ناحية أخرى ‘أنتم تنتمون إلينا، يجب عليكم أن تكونوا مخلصين للقيم والمعايير‘. العمل المشترك والاعتراف المؤسساتي يمكن أن يقودا إلى واقع مختلف".
يجب تقوية وتنمية القوى الداخلية، ليس بدلا عن الدولة
لا تتنازل النابلسي عن الإمكانية للتغيير. "عندما تتغير نظرة الدولة إلى المجتمع العربي، إلى جانب المسؤولية الداخلية – الاجتماعية وإلى جانب العائلات، يكون بالإمكان تغيير الوضع. يجب على المجتمع أن يستثمر موارد في توجيه وفي تربية جيل المستقبل، ويجب على العائلات أن تتعامل مع المشاكل والأزمات، وأن تُمنح الشبيبة أدوات ملاءمة. إذا كانت هناك نقطة بداية أخرى، تحترم، يستطيع الكثير من أبناء الشبيبة أن يصلوا إلى مكان بعيد. فبدلا من الاستثمار في القضاء على العنف، نستطيع أن نستثمر في تنمية الجيل الذي يساهم ويحقق نفسه".
هي ترسم تحديات كثيرة للمواجهة المطلوبة في داخل المجتمع العربي. "على صعيد الوجه الاجتماعي – الثقافي نحن نحاول أن نجمع الموارد من أجل خلق واقع مختلف وتقديم استجابة للوضع. توجد طوال الوقت أصوات التي تعارض العنف والقتل، لكنها ليست مسموعة. يجب علينا أن نعمل من أجل حق الفرد في المجتمع في تحقيق نفسه. يوجد لدينا الكثير من ما يمكننا أن نفعله في هذا المجال. يجب أن نتحمل المسؤولية عن شكل التربية والاستشارة لأبناء الشبيبة، ليس فقط العلامات، بل أيضا تنمية جيل يؤمن بنفسه، الذي يمكنه أن يساهم بشكل ايجابي وأن يتعامل مع الأزمات بشكل ايجابي. هذه قضايا لم تتم معالجتها".
"توجد موارد داخلية ثقافية واجتماعية في المجتمع العربي، منظمات المجتمع المدني في جميع أنواع المجالات التي تحاول أن تقود عمليات تغيير. لكنهم لا يستطيعون بمفردهم. يجب العمل في عدة مستويات. العمل المشترك لكل المنظومات يؤدي إلى وضع أفضل كثير. يجب تقوية وتنمية هذه القوى، لكن إلى جانب الدولة، ليس بدلا عنها".

