أطلق بنك إسرائيل الرصاصة الأولى لبدء مناقشة موازنة عام 2023: انتقد البنك في تقريره السنوي القواعد التي تحد من الإنفاق العام وعملياً فتح مجدداً النقاش العام الذي دار بينه وبين وزارة المالية بخصوص حجم الاستثمار المطلوب للاقتصاد الإسرائيلي. غير أن الواقع السياسي قد تغير منذ ذلك الحين.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

قامت أحزاب الائتلاف بإقرار الموازنة الأخيرة على مضض بغية إنهاء فترة الجمود السياسي التي دامت ثلاث سنوات، لكن المتوقع أن تتخذ المداولات بشأن الموازنة القادمة شكلاً مختلفاً. فأنظار الأحزاب تتجه هذه المرة إلى الانتخابات القادمة وليس إلى الانتخابات الماضية ولدى تلك الأحزاب دوافع أقوى لترك بصمتها على الميزانية.

في هذا الواقع السياسي فإن النقاش المهني الدائر بين بنك إسرائيل وبين وزارة المالية بطريقة غير مباشرة من خلال أوراق مواقف واقتباسات تتسرب إلى وسائل الإعلام وتقارير قد يتخذ وجهاً سياسياً. فبالنسبة للوزير الذي يعتقد أن هذه على ما يبدو ستكون آخر موازنة يتم إقرارها في عهده، فإنها الفرصة الأخيرة ولا مجال بعدها.

القواعد عوجاء لكن وزارة المالية لن تسارع إلى التخلي عنها

يتمحور لب النقاش حول رقم: ما هو حجم الموازنة اللازمة للدولة. ففي حين عملت وزارة المالية على الدفع باتجاه محاولة العودة إلى سياسة التقليص التي تم انتهاجها قبل وباء الكورونا، وذلك بحسب قاعدة إنفاق قلصت الموازنة بشكل بنيوي، فإن بنك إسرائيل يحذر من وجود فجوة كبيرة في البني التحتية المادية والبشرية في إسرائيل وستعمل هذه الفجوة على المدى البعيد على تقييد النمو.

ما يقرر هذا الرقم هما قانوني الموازنة الأكثر أهمية وتأثيراً في إسرائيل: قاعدة الإنفاق التي تحدد سقف حجم الميزانية بموجب صيغة (تتغير باستمرار) وقيد العجز الذي يضع مساراً متناقصاً للعجز (الفرق بين مدخولات الدولة وبين نفقاتها) للسنوات المقبلة.

الإنفاق العام الواسع كنسبة من الناتج المحلي الخام (رسم: إيديا)

من وجهة نظر بنك إسرائيل فإن هاتان القاعدتان "تضعان عوائق أمام الدفع باتجاه الاستثمار في البني التحتية" وتمنح الأفضلية لإنفاق اعتيادي جار وقصير المدى بدل الإنفاق على المدى البعيد. والقواعد هي كذلك "مسايرة للاتجاهات الدورية": فبالذات في فترات الأزمات حين تتراجع مدخولات الدولة يصير من الصعب على الحكومة تشجيع النشاط في الاقتصاد، حيث يتضح أن قاعدة الإنفاق منفصلة عن مدخولات الدولة وبهذا تمنع الحكومة إمكانية تمويل إنفاق كبير بواسطة رفع الضرائب.

ويشير بنك إسرائيل في تقريره إلى أن دول كثيرة في العالم تفضل الآن الاستثمارات والإصلاحات البنيوية على العجز القليل وأنه يتم النظر في إمكانيات لأخذ مؤشرات أخرى بعين الاعتبار غير حجم الدين.

بنك إسرائيل يواصل إلى حد كبير اتباع الخط الذي انتهجه في التقارير التي تم نشرها خلال العامين الأخيريْن. فقد سبق وشدد بنك إسرائيل في تقرير عام 2019 على أهمية الاستثمار العام بمقدار 3% من الناتج في الاقتصاد الإسرائيلي (ما يقارب 40 مليار شيكل) من خلال الجمع ما بين الدين والترشيد ورفع الضرائب. غير أن البنك يخطو هذه المرة خطوة أخرى للأمام ويقترح إمكانيات محددة يمكن تطبيقها دون الحاجة لاستبدال قاعدة الإنفاق.

اقترح بنك إسرائيل ثلاث إمكانيات رئيسية كبدائل للقواعد المالية: التعامل مع العبء الذي يشكله الدين بدل التعامل مع حجمه. أي أن يتم النظر إلى حصة دفعات الفائدة على الدين من ميزانية الدولة؛ إدخال الضرائب في المعادلة؛ واستثناء الاستثمارات في البني التحتية التي من المعروف أنها ستسترد ذاتها على المدى البعيد من قيود الموازنة من خلال صندوق خاص أو من خلال تكبير الدين.

والحقيقة أن وزارة المالية على ما يبدو لا تفهم أن هذه القوانين لم تعد مناسبة، وخاصة إذا تم تغييرها تقريباً كل سنة خلال العقد الأخير. لكن ومع ذلك لن يسارع مسئولي وزارة المالية بالتنازل عن المفاتيح. فاليوم ينعمون بالتحكم حصرياً في تغيير المعادلات، وهذا ما يمنحهم قوة سياسية كبيرة في تحديد حجم الميزانية. القواعد الجديدة ستكون مُلزمة كذلك لهم.

لا يسار ويمين اقتصادي

إنه لأمر مغري أن نصبغ هذا الجدل بألوان الاقتصاد اليساري واليميني لكن سيتبين أن هذا قرار مغلوط. فبنك إسرائيل أيضاً يؤيد النظرة الاقتصادية المحافظة في الموازنة. ما يهمه فقط هو أن يُستثنى من ذلك الاستثمار الذي يعتبره ضرورياً، وذلك أيضاً بشكل محدود ومنفتح تجاه وجهات نظر جديدة بخصوص الإدارة المالية الحذرة.

وهكذا يفضل البنك البني التحتية المادية أو التكنولوجية مثل المواصلات والإنترنت السريع على البني التحتية الاجتماعية مثل المستشفيات والتربية أو التمريض. يشتبه البنك بالاستثمارات الاجتماعية خشية أن "تتسرب" الأموال المخصصة للاستثمار إلى تغطية النفقات الجارية.

لقد بدأ العالم يفهم أن هذا الفصل هو فصل مصطنع والخطاب بشأن البنية التحتية قد بدأ يتغير. الخطط الأخيرة التي عرضها الرئيس الأمريكي جو بايدن لا تفصل بين الاستثمار في البني المادية والاستثمار في البني التحتية الاجتماعية من خلال اعتماد تعريف واسع يفيد بأن كل ما يتيح للمجتمع وللاقتصاد أن يصمدا ويتطورا ويزيد الإنتاجية والنمو هو بنية تحتية ضرورية. ووفقاً لهذا التعريف ليس هناك فرق جوهري بين القطار الذي يتيح للأم التي تربي أسرتها بدون زوج أن تصل إلى العمل وبين حضانة الأطفال النهارية المدعومة حكومياً التي تتيح لها أصلاً إمكانية الخروج للعمل.