في مجازية للفيلسوف الألماني مارت هيديجر يتحدث عن مقبض باب يديره الإنسان بحكم العادة حين يدخل إلى الغرفة. إنه لا "يرى" المقبض ولم "يختر" إدارته. وجود المقبض وحركة التدوير لا تتخطى عتبة إدراكه. صار المقبض شفّافاً.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

فقط حين تحدث مشكلة ولا يفتح المقبض فإنه يفقد شفافيته: يقف الإنسان ويتأمل في مبنى المقبض وينظر إلى الآلية التي تشغله ويدركها. وبالمعنى الأعمق يستفيق الإنسان من سبات غط فيه طالما كان منهمكاً في عالمه. بات أكثر إدراكاً لوجود المقبض وهكذا صار أيضاً أكثر إدراكاً لوجوده المنفصل.

طابور لفحص الكورونا في تل أبيب. هذا الفيروس الذي كشف أن بوسع الحكومات مساعدة المواطنين دون أن تنهار (تصوير: أفشالوم شوشاني / فلاش 90)

الإنسان الذي يدخل إلى السوبرماركت لشراء الخبز لا يتساءل أين يزرعون القمح وكيف ينقلونه عبر مئات الكيلومترات ولا كيف يتم تصنيعه وخبيزه ولا عمن وضعه على هذا الرّف المُحدد الموجود أمامه. وهذا طبعاً إذا كانت السلسلة تعمل بانتظام وسلاسة.

بعد سنتين من الاضطرابات التي حلت بالنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العالمي في ظل انتشار جائحة الكورونا والتي تتواصل مع تداعيات الحرب في أوكرانيا بدأت هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها تتخذ مفهوماً آخر. فالخبز لا زال يصل بانتظام إلى الرف في السوبرماركت لكن الآليات التي تحرك العالم بدأت تصدر صريراً. وهذا ما يدعو الكثير من الناس للتأمل في تلك الآليات – والتأمل أيضاً بأنفسهم.

الآليات الشفافة تتخذ لوناً

بدأ ذلك مع انتشار وباء الكورونا. أوقف هذا الفيروس حركة العالم الغربي لأسابيع. حيث يتضح أن المجتمع سيحافظ على بقائه حتى وإن توقف قسم كبير من الناس عن العمل؛ وأن موظفة نقطة الدفع في السوبر ماركت وكذلك المعلمة ضروريتان لقيام المجتمع أكثر من المحامي أو تاجر العقارات؛ وأن لا حاجة للحضور يومياً إلى المكتب لأجل مزاولة العمل.
تبيّن أيضاً أن بمقدور الحكومات تمويل المعونات الاجتماعية والاقتصادية والصحية بأحجام هائلة دون أن تنهار، بل ودون أن يصيبها ضرر حقيقي. كانت العودة إلى الروتين سريعة، غير أن التغيير الذي طرأ على مفهوم المال والديْن وأوقات الفراغ والعمل سيتضح فقط مع مرور الوقت.

حين تم إنهاء الإغلاقات الكبيرة تبيّن أن إعادة تحريك العالم ليست بتلك السهولة. مشاكل في سلاسل الإمداد العالمية ونقص في الطاقة وغلاء أسعار باتت هي الأمور العادية الجديدة. ارتفعت الأسعار في الولايات المتحدة خلال سنة بنسبة 8.5% وفي بريطانيا بنسبة 7% وفي الاتحاد الأوروبي بنسبة 7.5%-إنه تضخُم بأرقام قياسية لم يشهدها العالم منذ 40 سنة.

الاجتياح الروسي لأوكرانيا أثر في النظام العالمي كما أثرت الكورونا على النظام الاجتماعي. تساؤلات حول موقع نصب بطاريات صواريخ حلف الناتو ومسار أنبوب الغاز بين روسيا وألمانيا وكمية الذهب التي تحتفظ بها روسيا في الأقبية ومن يصنع السلاح ومن يشتريه – تحولت هذه من أسئلة نظرية يتداولها هواة الجغرافيا السياسية إلى أسئلة تقرر مصير ملايين الأشخاص.

الرئيس الأمريكي جو بايدن. كشفت العقوبات كم هي قوية سلطة الدولار (تصوير: AP Photo/Andrew Harnik)

شروط أساسية في الجهاز العالمي تتخذ معناها. لم تُستشعر هيمنة الدولار على التجارة العالمية إلى أن قررت الولايات المتحدة توظيفها ضد روسيا. وحقيقة أن روسيا وأوكرانيا تُنتجان ربع كمية القمح للتصدير في العالم ستتدحرج قريباً إلى السوبرماركت الذي تتردد عليه.

التعلُق بالغاز الروسي الذي يشكل ما نسبته 40% من مجموع ما تستهلكه أوروبا يُرغم الاتحاد الأوروبي على الاختيار ما بين دعم أوكرانيا أو التدفئة في البيت. شبكة الأنابيب التي تسير عبرها الأموال في العالم تحولت إلى أداة سياسية. الرؤوس النووية التي تحتفظ بها روسيا في الأقبية تقرر مجال تحركاتها. اكتُشفت آليات القوة الشفافة.

التاريخ يعيد نفسه

الخبير الاقتصادي ميلتون فريدمان، أحد أبرز أنصار نظرية الليبرالية الجديدة يتخذ قلم الرصاص مثالاً لكي يصف كيف أن المحفزات الاقتصادية تجعل أشخاصاً من دول مختلفة يتعاونون على إنتاج قلم رصاص واحد. حيث كتب فريدمان:"شارك آلاف الأشخاص في إعداد هذا القلم"، "أشخاص من ديانات مختلفة، وأشخاص ربما كانوا سيكرهون أحدهم الآخر لو التقوا. هذا هو سحر الأسعار… هذا السبب الذي يجعل السوق الحر ضروري جداً لتشجيع التناغم والسلام بين الناس في العالم". وفي أوكرانيا تبين أن العمل المشترك على صنع القلم لم يخلق بالضرورة التقارب بين شعوب العالم. الفكرة القائلة بأن العوْلمة الاقتصادية ستجلب معها السلام والوئام تلقت ضربة قوية.

إنها ليست الضربة الأولى التي تتلقاها هذه الفكرة. انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات جعل الخبير الاقتصادي فرنسيس فوكوياما يطلق مقولته الشهيرة بشأن "نهاية التاريخ" وبداية عصر جديد تتمدد فيه الليبرالية الاقتصادية باستمرار لتعم العالم بأسره. وكان السوق الحر هو رأس الكباش وحقوق الإنسان والانتخابات وحرية التعبير كان مفترض بها أن تنقض من بعده على كل زاوية في العالم لصالح الجميع ولراحتهم.

غير أنه ومنذ عملية برج التوأم صعدت الصين كقوة عظمى رأسمالية وغير ديمقراطية، وبريطانيا قررت الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وفي الولايات المتحدة تم انتخاب دونالد ترامب رئيساً على أساس معادي لليبرالية. ليس هناك في العالم سوى مليار شخص يعيشون في نظام يمكن تعريفه كنظام ديمقراطي ليبرالي.

لعل روسيا بوتن هي التحدي الأكبر. في بداية التسعينات عند تفكك الاتحاد السوفييتي انفتحت روسيا على العالم. لم تكن النتيجة ديمقراطية ليبرالية مزدهرة، إنما حملة بيع بالتصفية بلغت أوجها في ظل أزمة الروبل في نهاية التسعينيات. وفي هذه الفترة صعد بوتين إلى سدة الحكم وباشر ببناء روسيا جديدة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. الاقتصاد المزدهر والجيش القوي لا يضمنان قيام ديمقراطية ليبرالية (تصوير: Sergei Guneyev, Sputnik, Kremlin Pool Photo via AP)

كان هناك من سمّوا روسيا بوتين "جانب الظل للعولمة". لقد وظف آليات التجارة العالمية وسيلة لتحصين الدولة وزيادة قوتها الاستراتيجية إلى ما هو أبعد من قوتها الحقيقية. الناتج الإجمالي للفرد في روسيا يحتل المرتبة 44 في العالم بينما يُعتبر جيشها من أكبر أربعة جيوش في العالم. وخلال هذه المسيرة لم تتحول روسيا إلى دولة أكثر ديمقراطية وأكثر ليبرالية، بل على العكس.

ومع ذلك وبرغم تحذيرات الولايات المتحدة المتكررة فقد عززت دول أوروبا من تعاونها مع تلك الدولة وعلى رأسها ألمانيا، وخاصة في مجال الطاقة. نورد ستريم 2، أنبوب الغاز الرابط بين روسيا وألمانيا والبالغة تكلفة بناءه 11 مليار دولار سيظل جاثماً دون حراك على قاع بحر البلطيق.

يمكن اعتبار اجتياح أوكرانيا ضربة قاضية للمعادلة التي تقضي بأن العوْلمة تضمن السلام والديمقراطية. فاستخدام العقوبات بهذا الشكل الواسع ضد واحد من أكبر اقتصادات العالم هو ضربة قاسية تتلقاها المعادلة التي تقضي بأن التجارة العالمية هي تجارة محايدة وأن البضائع ستستمر في التدفق دائماً دون اعتبارات سياسية. وفي غياب هاتان المعادلتان سيبدو العالم مختلفاً عن ذي قبل.

إلى أين يتجه العالم

أبناء الجيل السابق اعتادوا على العيش في عالم فيه قوة عظمى واحدة لا حدود لقوتها، ولهذا يصعب عليهم أن يتصوروا عالماً يسير وفقاً لمنطق يختلف عن منطق الرأسمالية الأمريكية. لكن جيل اليوم يشاهد كيف يتوقف العالم عن الحركة بسبب الكورونا ويشاهد قوافل الدبابات تجتاز أوروبا. ولهذا فقد يعيش هذا الجيل مع إحساس آخر. لعل تجربة التغيير هي الأعمق والأكثر تأثيراً. أما فيما ورائها فمن الصعب معرفة كيف سيبدو العالم بعد الكورونا وبعد أوكرانيا وكم سيكون التغيير كبيراً أو سريعاً.

لا يعني ذلك أن ليس هناك محاولة للتنبؤ.

هناك من يتحدثون عن العودة إلى عالم ثنائي الأقطاب أو متعدد الأقطاب، فيما نجد آخرين على قناعة بان الولايات المتحدة لن تتأذى. وعلى ما يبدو فإن الاعتبارات السياسية ستحدد سياسة التجارة بشكل أكبر. لقد أعلنت دول عن زيادة موازنتها الأمنية، ما من شأنه إعادة تحريك سباق تسلح جديد.

هناك من يعتبرون غلاء الأسعار عاملاً لانعدام الاستقرار الاجتماعي ومحركاً لتوسيع الفجوات الاقتصادية. هشاشة شبكة الإمداد العالمية إلى جانب تطورات تكنولوجية مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد قد تدفع نحو محاولة لتقصير سلسلة الإنتاج.

منصة نفط بحرية في روسيا. الاعتبارات السياسية تحدد هيئة السياسة التجارية (صورة توضيحية: shutterstock)

تتصاعد أهمية البضائع بعد أن تحولت إلى عامل مركزي في مسيرة التعافي العالمية وسوف ترتفع أسعارها. أزمة الطاقة ستدفع باتجاه التحول إلى الطاقة الخضراء، لكن هناك من يدعون أن من المتوقع العودة للطاقة النووية والبحث عن الوقود الأحفوري.

الدولة التي انحصرت وظيفتها في الليبرالية الجديدة في ضمان عمل الأسواق قد تأخذ على عاتقها وظائف أخرى. تصدع الإجماع بشأن ديْن وعجز صغيريْن بصفتهما غايتان مركزيتان للسياسة الاقتصادية.

أما بالنسبة للسؤال عما إذا سيكون هذا أفضل العصور أو أسوأ العصور فلا إجابة حالياً عن هذا السؤال.