من المهم من وجهة نظر وزير المالية والموظفين في وزارته التوضيح بأن رفع أجور المعلمين هو ليس القضية المركزية في المفاوضات على اتفاقية الأجور القادمة. حيث زعم ليبرمان في مؤتمر صحفي عقده خلال هذا الأسبوع في تعقيب له على الأجور بصفتها مسالة بسيطة ينبغي إنهائها، حيث قال إن "لا خلاف على رفع أجور المعلمين، الخلاف يقتصر على أيام الإجازات والفصل من العمل والمكافأة على التميّز".

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

يُستشف من هذه التصريحات بان هناك تفاهمات واسعة بين الأطراف بخصوص الأجور لكن هذا الأمر بعيد كل البعد عن الواقع. جلسات المفاوضات تتم ببطء ولم تقدم وزارة المالية حتى الآن أي رقم ولم تفصح عن أي مطلب مادي.

لن يتم أي تغيير دون دفع أجور عادلة للمعلمين

أثناء جلسات المفاوضات يزعم موظفو وزارة المالية بأنهم مقيدون لأن ليست هناك ميزانية للسنة القادمة، على الرغم من أن مسار هذا الأمر يتم بالاتجاه المعاكس: يجب أن يتم وضع الميزانية القادمة بناء على الاتفاقيات الجماعية والتشريعات. حتى المطالبة بإدخال تغييرات بنيوية مثل تغيير نظام الإجازات تم الإعلان عنها بالأساس من خلال وسائل الإعلام.
قد تكون التغييرات البنيوية حقاً مهمة بالنسبة لوزارة المالية، غير أن محاولة تقزيم مسألة الأجور لم تأت صدفة. فالخلاف على أيام الإجازات يبدو مريحاً أكثر بالنسبة لوزارة المالية بدل الخلاف على المبلغ النهائي في قسيمة الراتب.

مظاهرة لنقابة المعلمين في متحف تل أبيب. (تصوير: كاديا ليفي)

المطالبة بإجراء تغييرات تضع في يد وزارة المالية آلية ضغط في المفاوضات وتقدم المعلمين كمن ينشغلون بالمال في حين هناك تطلعات أكبر لموظفي وزارة المالية بشأن تغيير الجهاز التربوي (ولا بد من التذكير في هذا السياق بأن التغييرات المقترحة لم تصدر عن خبراء من مجال التربية).
وهكذا أيضاً ينشأ فصل وهمي بين العمل التربوي الذي يمارسه المعلمون وبين قسيمة الراتب التي يستلمونها. لكن المبلغ النهائي في قسيمة الراتب هي المعلومة الأهم بالنسبة للجهاز التربوي. حيث تحدد تلك المعلومة عدد المعلمين ومن يختار ممارسة مهنة التعليم ودرجة نوعية التدريب الذي يتلقاه المعلمين. هذه المعلومة تعمل على تصميم وظيفة المعلم وتحدد مكانته وأسلوب حياته.

هناك تغييرات كثيرة مطلوبة في الجهاز التربوي لكن أي من تلك التغييرات لا يمكن أن يتم دون دفع أجور منصفة للمعلمين. هناك نقص كبير في المعلمين في المدارس الابتدائية والإعدادية وفيها كذلك هروب متواصل للقوى البشرية. ودون تحسين ملحوظ في الأجور لن يكون هناك شركاء لإدخال الإصلاحات.

يجب أن تكون الأجور مواكبة لغلاء الأسعار

بدأت نقابة المعلمين الحديث بالأرقام وذكرت مبلغ 10000 للمعلم المبتدئ كشرط أولي. ويبدو أن هذه قفزة كبيرة في الأجور. راتب المعلم المبتدئ اليوم هو 6800 شيكل للشهر. علاوة بمقدار 3200 شيكل في الشهر هي رفع للأجور بنسبة 47%. لكن لو وضعنا المعطيات في السياق الأوسع فسيتضح لنا أنها ليست زيادة خارجة عن المألوف.

أولاً، الأجر الابتدائي للمعلمين في إسرائيل هو من بين أقل الأجور المدفوعة في الدول الأعضاء في منظمة OECD : المرتبة 19 من أصل 37، ما بين كولومبيا وأستونيا. وإذا تم رفع الأجور كما تطلب نقابة المعلمين فسيتجاوز قليلاً معدل الأجور لعام 2021 (المطلب يعادل 36 ألف دولار في السنة في حين يصل المعدل إلى 34 ألف دولار في السنة). لكن عام 2020 هو آخر عام تتوفر عنه معطيات ويمكننا الافتراض بأن الأجور قد ارتفعت منذ ذلك الحين، ولهذا فمن المعقول أن يقف مطلب نقابة المعلمين عملياً عند مرتبة أقل من المعدل.

الأجر السنوي الأساسي للمعلم المبتدئ في مدرسة ابتدائية بالدولار. المعطيات صحيحة لعام 2020 وارتفعت في بعض الدول (تصميم جرافيكس: إيديا)

لو أخذنا بعين الاعتبار جميع مركبات الأجر وليس فقط الأجر الأساسي فإن موقع أجر المعلم المبتدئ في إسرائيل نسبة إلى زميله في العالم آخذ بالتحسُّن. أما على الصعيد العملي فإن المعلمين في إسرائيل يجدون صعوبة للعمل بوظيفة كاملة بسبب البنية التشغيلية وكذلك يدرسون في الصفوف لساعات أكثر من زملائهم في باقي العالم.

الأمر الثاني الذي ينبغي لنا أخذه بعين الاعتبار هو بيئة التضخم العالي. انتهت صلاحية اتفاقية العمل الجماعية السابقة للمعلمين في عام 2019 بينما ارتفعت الأسعار بنسبة 4% فقط في السنة الأخير وحدها. ومن المتوقع أن تستقر معدلات التضخم عند نسبة 3% خلال السنوات الخمس القادمة. ما يعني عملياً أن الأجر الحقيقي للمعلمين قد بدأ بالتآكل وسيستمر بالتآكل.

بيئة التضخم هذه تحتاج إلى رفع أجور بنسب أعلى من تلك التي اعتادت عليها اقتصاديات الدولة خلال السنوات الأخيرة. وإلا فستصبح علاوة الأجور غير ذات قيمة خلال وقت قصير. وفي جميع الأحوال فإن زيادة عشرات آلاف الشواكل تظل تحت معدل الأجور في الدولة، حيث يقف عند 12،052 شيكل حتى شهر فبراير، وهذا الرقم بحد ذاته سيواصل الصعود للأعلى.

ترددت مجدداً خلال الأسابيع الأخيرة ادعاءات بشأن الفجوة القائمة بين أجور المعلمين الجدد وبين أجور المعلمين القدامى، حيث يُستشف منها بأن المطالبة برفع الأجور تخص المعلمين الجدد فقط. لكن هذه المحاولة للفصل بين المعلمين الجدد والمعلمين القدامى هي كذلك مضللة. ودون الخوض في مسألة الطريقة الأصوب لمكافأة المعلمين القدامى، فإن راتب المعلم بعد 15 سنة عمل في الجهاز التربوي في إسرائيل يحتل مرتبة متدنية نسبة إلى العالم، حيث يقع في المرتبة 27 من أصل 34 في الدول الأعضاء في منظمة OECD.

الأجر السنوي لمعلم في مدرسة ابتدائية، أقدمية 15 سنة (تصميم جرافيكس: إيديا)

قد تكون هناك في أعلى سلم الأقدمية معلمات يقبضن أجراً فوق معدل الأجور في دول OECD. لكن الحل يجب أن يأتي بطريقة عكسية: يجب أن يقبض جميع المعلمين في إسرائيل أجوراً فوق معدل الأجور في دول OECD. إسرائيل التي كانت ذات مرة دولة تربوية عظمى وعولت على الصناعات التكنولوجية الرائدة لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تظل تتلكأ خلف الركب.

إعادة المعلمين إلى الطبقة الوسطى

هناك أمر صغير أغفله الخطاب الدائر في هذا السياق، وهو أن دولة إسرائيل لديها مدخول كبير من الضرائب وبوسعها رفع أجور المعلمين وموظفي القطاع العام دون فرض ضرائب جديدة، بل ودون الحاجة لاعتماد سياسة اقتصادية متوسعة.

أما من ناحية وزارة المالية فهذا أمر إشكالي، حيث من الأسهل لهم التفاوض في حين لا توجد أموال في الخزينة. لكن المعلومات بشأن خزينة الدولة تُنشر كل شهر. وبحسب معدل جباية الضرائب الحالي ستنتهي السنة مع فائض جباية بحجم عشرات مليارات الشواكل. وليست هناك طريقة أصوب لإنفاق هذه المبالغ من الناحية الأخلاقية والاقتصادية سوى إعادة المعلمين في إسرائيل إلى الطبقة الوسطى.