يدعو البروفيسور مانويل تراختنبرغ إلى تغيير طريقة تحديد حجم ميزانية الدولة في إسرائيل، ومن هذا المنطلق يُشتق حجم الخدمات الاجتماعية التي يتلقاها الجمهور: الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والإسكان. في محادثة مع صحيفة "دافار"، يعترض تراختينبرغ على بعض المعتقدات الأساسية التي فرضت القواعد الحالية لتحديد حجم الميزانية، والتي شارك هو نفسه في وضعها منذ أكثر من عقدين، وعلى رأسها التركيز على تقليص العجز والدين.
وقال في حوار مع صحيفة "دافار": "طرأت مشاكل حادة لم تتم معالجتها، خاصة في مجال الإسكان والمواصلات ومن ثم نتجت عنها أضرار ملموسة".
تراختنبرغ، الذي يترأس حاليًا معهد دراسات الأمن القومي، لديه خبرة واسعة في المنظومة الجماهيرية في إسرائيل. أسس مجلس الاقتصاد الوطني في مكتب رئيس الحكومة، وترأس اللجنة العامة التي تم تشكيلها في أعقاب الاحتجاجات الشعبية في عام 2011 وسُميت باسمه، وشغل منصب عضو الكنيست عن حزب العمل وشغل مناصب عديدة في المجال في القطاع العام والأكاديمي. وبصفته شخص تخطى الحدود وانتقل من الأكاديمية الى السياسة، فلديه نقد على الخطاب الاقتصادي والسياسي في إسرائيل، حيث يميل هذا الخطاب من وجهة نظره إلى السطحية "من كلا الاتجاهين".
إنه ليس الوحيد الذي يعتقد أن القواعد المالية التي يتم على أساسها تحديد حجم ميزانية الدولة كل عام لم تعد مناسبة. قدم لهم بنك إسرائيل البدائل ولكن وزارة المالية تفضل حالياً التمسك بالبدائل "على الورق"، لتقوم عمليًا بتغييرها كل عام وفقًا لاحتياجاتها. يقترح تراختنبرغ تغييرًا جوهرياً يشمل إضافة متغير جديد إلى المعادلة: ليس فقط تحديد المبلغ الذي ينبغي تقليصه، إنما أيضًا تحديد المبلغ المنوي إنفاقه.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

"عندما تقل حصة الحكومة من الناتج القومي، فإنها عملياً تقدم خدمات عامة أقل: في مجالات الصحة والتعليم والإسكان"

إذن أنت تقترح تغيير القواعد المالية التي شاركت في صناعتها. قبل مناقشة هذه الصيغة أو تلك، لماذا تعتقد أن هناك أصلاً حاجة لقوانين تحدد حجم الميزانية؟
"القواعد المالية هي الأداة الصحيحة للسياسة، لأنه عندما تعتزم الحكومة إعداد الميزانية ، فإنها ترغب دائمًا بزيادة الإنفاق وتقليل الجباية، وهذه ظاهرة تسمى" تحيُّز نحو العجز ". ولكي تجنب ذلك نحن إلى قواعد التي تحدد حجم المبلغ الذي يجب على الحكومة وبمقدور الحكومة إنفاقه".
ما هي مشكلة القواعد المالية الحالية؟
"تم وضع القواعد المالية في إسرائيل بسبب صدمة التضخم المفرط التاريخية التي أصابت الاقتصاد الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي، وحقيقة أن الحكومات في تلك الفترة انفلتت وفقدت السيطرة وهذا ما أدى إلى تغذية التضخم. ونتيجة لذلك أصبحت قاعدة الحد من العجز هي الحجر الأساس للسياسة المالية. وفي الوقت ذاته كان هناك هدف آخر، وهو خفض نسبة الدين مقابل الناتج القومي. أي أن الحكومات لم تكتف بتحديد نسبة عجز قليلة، إنما حاولت كذلك خفض الإنفاق الحكومي بشكل عام، بحيث انخفضت مساهمة الحكومة في الناتج القومي.

مظاهرة للعاملين في مراكز الرعاية النهارية في تل أبيب. (الصورة: ميخال مارانتس)

"لقد ارتبط هذا الأمر بفلسفة نتنياهو الاقتصادية عندما كان وزيرا للمالية في عام 2003 ومن ثم لاحقاً رئيساً للوزراء، وكذلك في وزارة المالية. ذهبوا إلى متجهات تقليص حجم الحكومة، وكان هناك خفض ضريبي منهجي. الجمع بين خفض نسبة الدين مقابل الناتج القومي وبين والعجز المنخفض وخفض الضرائب بالنسبة إلى الناتج القومي أدى إلى تقليل حجم الدولة في الاقتصاد بشكل كبير، لدرجة أننا وصلنا إلى نسبة حجم الحكومة بالمقارنة مع الناتج القومي هي أقل من 40% ".
ما الذي يعنيه هذا الانخفاض؟
"حصة الحكومة في الناتج القومي تعكس حجم الخدمات التي تقدمها الحكومة من الميزانية العامة، مثل الإسكان والأمن والصحة والتعليم. وكلما كانت هذه الحصة أصغر، فهذا يعني أن الحكومة توفر سلعًا عامة أقل. لقد ازداد الإنفاق بشكل مطلق، وكذلك ازداد عدد السكان وازدادت الاحتياجات المترتبة عن هذه الزيادة. وعموماً أنت كمواطن تتوقع المزيد لأن مستوى المعيشة آخذ في الارتفاع ويمكن تقديم خدمات صحية أفضل".
"إن تراجع حصة الحكومة من الناتج القومي هو انعكاس لتآكل الخدمات. لا يمكنك طلب خدمات جيدة بدون مقابل وتقليل حصة الحكومة. لهذا السبب لم يعد التعليم مجانيًا حقًا بالنظر إلى المدفوعات المطلوبة من الأهالي، وقد تآكل التأمين الصحي، والمواصلات العامة ليست بالوضع الجيد ".

كيف تؤدي القواعد المالية فعلياً إلى تآكل الخدمات التي يتلقاها للمواطن؟
"هذا يحدث عندما لأنه حين تحين لحظة اتخاذ قرارات بشأن الميزانية في مداولات الحكومة هناك معلومة تُعتبر مقدسة، ألا وهي حجم العجز. لنفترض أنها لا يجب أن تزيد عن 2%. وعلى هذا الأساس يجب تدبر الأمر ".
إذن ما الذي يجب تغييره برأيك عند تحديد حجم الميزانية؟
"أعتقد أنه يجب الاهتمام بمسألة نسبة الدين مقابل الناتج القومي، ولكن هناك أيضًا احتياجات. يجب أن يكون القرار مدروساً وليس تحصيل حاصل بالنسبة لما نرغب برصده للخدمات التي يرغب المواطنون الحصول عليها.
"لهذا السبب أقترح معادلة ذات متغيرين بدل متغير واحد: نسبة الدين مقابل الناتج القومي، وحجم الحكومة في الناتج القومي. هناك من يقترح أن تقوم الحكومة بفتح محفظتها لتنفق المال دون حدود، وأنا لا أوافق مع هذا الطرح. أقترح هدفين متعارضين يكمل أحدهما الآخر."
كيف تترجم أهداف الحكومة إلى تحديد حجم الحكومة المرغوب؟
"لننظر إلى ما نحن عليه الآن، وما هي الفجوات وأين يجب أن يكون هناك استثمار، ثم نفحص على ضوء المعايير التابعة المعتمدة في منظمة دول OECD، ومن ثم نحدد النسبة المرغوبة.
"في الوقت الحالي نرى أن وزن الخدمات المدنية في إسرائيل نسبة إلى الناتج القومي في أدنى المستويات في منظمة دول OECD. نسبة الإنفاق المدني لدينا تشكل 32% من الناتج القومي. وفي مثل هذه الحالة لا يمكن توفير الحد الأدنى المطلوب. لنحسب ما يعنيه هذا الأمر وما هو الهدف الذي يجب تحديده. لنفترض أننا نرغب برفع النسبة إلى 42%. وهذه نسبة لا تبدو مفاجئة، لكنها فعلاً مفاجئة. لا حاجة لرفع النسبة دفعة واحدة. لنضع خطة لعدة سنوات لا تتجاوز ولا وتزيد النسبة بين الدين والناتج القومي. وبالتالي فإن الضرائب هي ثمرة هذه السياسة ".

"على كل حكومة جديدة أن تحديد أهداف"

في مقال كتبه بمشاركة إيتامار بوبليكر ونشر في مجلة "كوارترلي فور إيكونوميكس"، يستعرض تراختنبرغ تاريخ وآثار قواعد الإنفاق في إسرائيل، ويقدم اقتراحه لصيغة اقتصادية ستحل محل قاعدة الإنفاق الحالية. القاعدة نفسها معقدة، لكن المحصلة النهائية بسيطة: بعد إدخال نسبة الدين مقابل الناتج القومي وحجم الحكومة في الاقتصاد الى المعادلة، نحصل على حجم الميزانية المطلوبة لتنفيذها: حجم الإنفاق وحجم العجز وتحصيل الضرائب.
كيف يجب أن تبدو العملية السياسية التي يتم من خلالها تحديد الميزانية؟
" لو كنا دولة طبيعية تجري فيها الانتخابات كل أربع سنوات، فبمجرد تشكيل حكومة جديدة، فإن أول ما يتعين عليها عمله هو إجراء مناقشة حول الأهداف التي يجب أن تكون لولاية هذه الحكومة. ومن هذا تشتق ما ستفعله كحكومة كل عام، لأن هذا يوفر لكا معياراً تستند إليه. بهذه الطريقة يمكن أيضًا شرح السياسة للجمهور. إذا قامت الحكومة غداً برفع الضرائب، وهو أمر صعب بشكل غير عادي، فسوف تتعرض للهجوم ما لم تقدم سبباً منطقياً لكل شيء، وهذا السبب المنطقي واضح. هذا هو المسار الذي أرغب باعتماده. "فلتصرح الحكومة وتقول –م ن أجل تزويدكم أيها المواطنون بمزيد من الخدمات في مجالات معينة، فإن هذا يتطلب القيام بخطوات معينة ويستدعي زيادة الدخل من الضرائب".

وزير المالية أفيغدور ليبرمان يعرض ميزانية الدولة على اللجنة المالية في الكنيست، أكتوبر 2021. "عندما يحين الوقت لاتخاذ قرارات بشأن الميزانية في جلسات الحكومة هناك إحصائية مقدسة، وهي حجم العجز" (صورة أرشيف: نوعم موسكوفيتش ، مكتب الناطق باسم الكنيست)

كنت عضوا في الكنيست وعضوا في لجنة المالية. كيف ترى النقاش الاقتصادي السياسي في إسرائيل؟
"الخطاب ليس بالعمق المطلوب. شعارات كثيرة وعقائد كثيرة في كلا الاتجاهين. في دولة إسرائيل لا يعرفون كيف يتم إجراء مناقشة للقضايا الاستراتيجية العميقة. إنما ما يفعلونه دائماً هو الرد الموضعي والسريع بشكل تكتيكي وليس بطريقة جدية ".
أعضاء الكنيست، وحتى الوزراء في الحكومة تأثيرهم الفعلي ضئيل جداً على الميزانية.
"لقد نشأ توازن سيء للغاية، ولكن الانحراف عنه يمكن أن يكون أسوأ بكثير. موظفي وزارة المالية، وأنا أكن لهم الاحترام والتقدير، يعتبرون أنفسهم حراسًا لمواجهة سيل السياسات الرخيصة، بسبب كثرة تبدل السياسيين، ولهذا فهم يخوضون عليها حربا ضارية ضد هذا الوضع. وأنا أفهم ذلك. ولو كان هناك نقاش جاد في الجانب الآخر كما أقترح لكان الوضع مختلفاً.
"عندما كنت عضوًا في لجنة المالية، كنت أنجح أحياناً في إجراء مناقشة أكثر جدية. لكن هذا يضيع في خضم تلك الديناميكية. ولأن الساسة يعتبرون وزارة المالية على أحارساً للبوابة، فإنهم يجعلونهم بالفعل حراساً. هذا هو التوازن."

"للدولة دور في التعامل مع القضايا الاجتماعية الرئيسية"

كل نسبة مئوية من الناتج القومي تساوي حوالي 13 مليار شيكل. أين تقترح وضع المال؟
"ظهرت مشاكل حادة لم تتم معاجلتها، لا سيما في مجال الإسكان والمواصلات. ولها أضرار حقيقية للغاية. وفي كلتا الحالتين، فإن المطلوب ليس فقط ضخ الأموال، بل تغيير السياسة التي تنطوي أيضًا على إنفاق في إطار الميزانية. هناك قضايا، مثل شراء جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). حيث المال الفوري يمكن أن يساعد بشكل. ولكن هناك قضايا تتطلب التخطيط أولاً."
الأمثلة التي تقدمها تتعلق بقضية إشكالية أخرى، وهي أن قدرة الدولة على التخطيط منخفضة جداً. وحدات التخطيط والبحث في معظم الوزارات الحكومية صغيرة جداً.
"من الصعب جدًا الدفع بأي أمر على الأمام بدون تخطيط، وهذه مشكلة. على سبيل المثال، لا أعتقد أن بالإمكان توسيع نطاق التعليم لمرحلة الطفولة المبكرة مرة أخرى بشكل فوري كما حدث في عام 2015. يجب إعداد قوى بشرية وهذه عملية طويلة وتحتاج إلى رصد أموال، كما هناك حاجة لتحسين ظروف عمل المربيات والمساعدات في رياض الأطفال ".
أين يتعين على الحكومة الاستثمار في سبيل خفض تكاليف الإسكان، والتي تشكل عبئاً كبيراً ومتزايداً على المواطنين؟
"على الدولة أن تأخذ على عاتقها جميع تكاليف الازدياد السكاني في المدن، وهو ما باشروا بفعله من خلال اتفاقيات السقف، لكنهم لم يقوموا بإتمام ذلك حتى النهاية. بالإضافة إلى ذلك، يتعين عليهم دعم البناء المكثف لإتاحة إمكانية الاستئجار طويل الأمد وإسكان بأسعار معقولة: ليس بمعنى أن تكون الدولة هي المقاول وانما عن طريق إنشاء نموذج واضح للغاية يجعل الإيجار طويل الأمد مربحًا، ومن أجل ذلك نحتاج إلى الدولة".
إذاً برأيك فليس على الدولة أن تكون بالضرورة هي وكيلة تطبيق التغييرات الاجتماعية. كيف ترى دور الدولة ومتى يتعين عليها قيادة المور والتدخل فيها؟
"الدولة لها دور، على الأقل في التعامل مع القضايا الرئيسية. قد نصل إلى توازن يقلل من الحاجة للدولة، ولكن المسألة هي أنه تم إغفال القضايا الاجتماعية بحيث نمت وتضخمت إلى أبعاد مروعة. لا بد هنا من إجراء تغيير جذري، وهذا التغيير يبدأ منذ أن تبدأ الدولة بأخذ هذه المسائل على عاتقها.
"نحن لسنا بصدد كوارث طبيعية، إنما هي مشاكل تتطلب إجراءات أكثر شمولية من جانب الدولة. إنها تتطلب ميزانيات أكبر، ولكن هذا ليس هو الأساس في المرحلة الأولى."

"في كل شيء في إسرائيل قد تصل إلى النهاية قبل أن تفعل أي شيء"

أنهى تراختنبرغ الحوار معه من خلال تقديم مثال على عبثية سياسة تقليص الإنفاق الحكومي الذي يمنع معالجة المشاكل المتزايدة. "منذ حوالي عقد من الزمان كان هناك إعلان،" إسرائيل تجف ". بالفعل لم يكن هناك ماء. أتدري لماذا؟ لأن وزارة المالية رفضت دعم تمويل منشآت تحلية المياه. وقد حاربوا هذا الأمر وفي نهاية الأمر صرنا على حافة الهاوية، وعندئذ فقط وافقت وزارة المالية على تمويل المنشآت. الآن لا توجد ضائقة مياه، إنها فكرة مجدية اقتصادياً، بل ويمكننا حتى تصدير المياه. كانت التكنولوجيا موجودة، والحل متاح، وسرعان ما تم تنفيذ الحل.
" الآن في إسرائيل كل شيء يتم على هذا النحو. الإسكان والمواصلات وفي كل شيء، أنت تصل إلى النهاية قبل أن تفعل أي شيء."