"كل موضوع التخطيط في المجتمع العربي يتعلق كثيرا بالعنف. الناس يعيشون في اكتظاظ، لا يوجد حيز عام، لا يوجد مكان للتنفس"، تقول لـ ‘دفار‘ المهندسة المعمارية رنين عودة، مديرة مشاريع في المركز العربي للتخطيط البديل. من وجهة نظرها، كونها تسكن في الناصرة وكونها مهندسة معمارية، فهي تمعن النظر في العلاقات المتبادلة بين التاريخ، حيز البناء وعمليات اجتماعية التي تشكل المواد الخام لأزمة السكن في المجتمع العربي.
كتوضيح للضائقة القائمة فهي تشير إلى عدم وجود حدائق في البيوت العربية. "في كل بيت عربي قديم تكون هناك حديقة كانت تستخدم للتهوئة. اليوم تحوّلت الحديقة إلى موقف للسيارة، والتي تستخدم أيضا للعب الأطفال، وللاستضافة. لا توجد علاقات اجتماعية كما كان ذات مرة".

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

الناصرة. "التخطيط في المجتمع العربي يتعلق كثيرا بالعنف. الناس يعيشون في اكتظاظ، لا يوجد حيز عام، لا يوجد مكان للتنفس" (تصوير: يتسحاق هراري / فلاش 90)

تاريخ عائلتها يتحدث جيدا عن القصة. "بدأ الحي الذي يسكنه والديّ في الناصرة من ثلاثة بيوت لعائلة جدي الأكبر. اليوم انه نوع من القصبة. أنت تستطيع أن تنتقل من سطح إلى سطح. كل ما يوجد لديه هو قطعة أرض صغيرة، بنى عليها. لقد بنوا الواحد بجانب الآخر، واحدا فوق الآخر".

عدد السكان ارتفع، المساحة البلدية تقلصت

"قصة السكن في المجتمع العربي قصة معقدة"، تقول عودة، "أنت لست متأكدة من أننا نعرف كل ما يجب علينا أن نعرفه حولها. على مر السنين لم يتحدثوا عن ذلك. فقط قبل عدة سنوات بدأوا بالانشغال في السكن".
تصف عودة الوضع الذي لا توجد فيه سياسة مركزية، حكومية أو بلدية، الذي أدى من بين ما أدى إلى الاكتظاظ. الناس بنوا من تلقاء أنفسهم، من دون تفكير تخطيطي، من دون مؤسسات عامة، من دون مساحات مفتوحة. من كان بحاجة إلى أن يبني، بنى. لم يكن هناك إشراف، تفكير أو تخطيط".
في المقابل، الحيز في البلدات العربية اصبح مكتظا أكثر وأكثر. "خلال السنوات لم تزداد المساحة التابعة للسلطة المحلية، لكن عدد السكان ارتفع على ما يبدو. ناهيك عن المصادرات الكبيرة في سنوات السبعينات، واصلوا اقتطاع أراضٍ من البلدات العربية. كل أراضي نوف هجليل هي أراضٍ تابعة للناصرة، أراضي جدي هناك. اليوم تقريبا لا توجد في الناصرة أراضٍ شاغرة. وتلك الشاغرة يرتفع سعرها وكأنك موجود في تل ابيب، نظرا لعدم وجود عرض ويوجد طلب. أسعار قد تصل إلى مليوني (2 مليون) شيقل لشقة صغيرة".
عامل آخر لمشكلة السكن هو الصعوبة التي يواجهها اللاجئون الداخليون من حرب الاستقلال في عام – 1948، سكان أرض إسرائيل الذين اضطروا إلى الإنتقال من بلدتهم إلى بلدة أخرى، وظلوا بدون أرض يمتلكونها. "يوجد في الناصرة جميع سكان صفورية (تسيبوري)، في حي الصفافرة. وهم انضموا إلى الفئة السكانية القائمة. الناس سمحوا لهم بالسكن، إلا أنهم لم يستطيعوا العودة. لا توجد لهم أرض هنا، وجميع أراضي بلداتهم تم تأميمها".

"قريب لي قُتل في نزاع على موقف سيارة، هذا صراع على البقاء"

"النتيجة لكل ذلك هي العيش في اكتظاظ"، تقول عودة، "ذات مرة سافرت مع ابن أخي وهو قال لي ‘أنا أشعر أنني أعيش في قفص من الباطون‘. في كل بيت تم بناء طوابق أخرى للأولاد".

موقف سيارات بالقرب من بيت خاص في الناصرة. "في كل بيت عربي قديم تكون هناك حديقة كانت تستخدم للتهوئة. اليوم تحوّلت الحديقة إلى موقف للسيارة، والتي تستخدم أيضا للعب الأطفال، وللاستضافة" (تصوير: ناتي شوحط / فلاش 90)

أحد التعابير الرئيسية للاكتظاظ، الذي وفقا لأقوال عودة يزيد العنف كثيرا، هو عدم وجود مواقف سيارات. "نظرا لعدم وجود مواصلات عامة، توجد لكل ولد سيارة، ولكل سيدة مع ولد توجد سيارة. إذن تنازل الناس عن الحديقة وقاموا بعمل موقف سيارات. شوارعنا ضيقة. النسيج القديم (الأحياء التي تم بناؤها حتى عام 2000 – يانيف شارون) تم بناؤه بشكل مكتظ، ولا يوجد موقف سيارات في الشارع، ومعظم الشجارات في الأحياء هي على مواقف السيارات. قريب لي قُتل في نزاع على موقف سيارة، هذا صراع على البقاء".

من الممكن الانتقال إلى بلدة يهودية، إلا أنه لا توجد خدمات باللغة العربية

في أعقاب الاكتظاظ العالي، توجد هناك ثلاث إمكانيات أمام الشباب العرب الذين هم بحاجة إلى شقة: البناء في قطعة أرض الوالدين في حال كان الأمر ممكنا، البناء من دون ترخيص، أو الانتقال إلى بلدة يهودية.
"الناس في منطقتنا يرغبون في السكن قريبا من الناصرة. فهم يريدون أن يكونوا قريبين من العائلة ومن المؤسسات التعليمية، التي تقدم خدمات باللغة العربية. في بلدة يهودية لا توجد خدمات باللغة العربية، جهاز تربية وتعليم عربي، مكان للصلاة. لذلك ظلت حيفا، في أفضل الحالات، أو عكا. توجد هناك أيضا امكانية للهجرة إلى بلدة يهودية، وطلب خدمات في بلدة عربية".

"لا يوجد تفكير حول تطوير المنطقة كمنطقة كاملة، لا يتيحون للسلطات أن تخطط"

تشير عودة أيضا إلى عدم وجود تخطيط لوائي، الذي يمكن أن يمنح حلولا لمشاكل حارقة. "لا يوجد تفكير حول المدينة الأم (متروبولين)، وحول تطوير المنطقة كمنطقة كاملة. نوف هجليل متطورة جدا. للقطار الخفيف من حيفا توجد سبع محطات في نوف هجليل، ولا توجد حتى محطة واحدة في داخل الناصرة، ما عدا محطة واحدة في المنطقة الصناعية. كل واحدة من مثل تلك المحطات تنشئ تطويرا إضافيا، مثل بناء مركز تجاري أو برج سكني. المناطق الصناعية ومناطق التشغيل هي شريان ورافعة البلدة. في كثير من البلدات لا توجد إضافة إلى منطقة التشغيل أو الصناعة، وهي تبقى مناطق سكن فقيرة جدا. من أجل الصناعة يجب الخروج من المدينة".
ووفقا لأقوال عودة، أيضا تقسيم القوى في مجال التخطيط البلدي يضع السلطات المحلية في عقدة النقص والدونية، ولا تتيح لها أن تكون جزءا في تصميم الحيز في مناطق نفوذها. "الدولة لا تعطي السلطات المحلية المال للتخطيط. بدلا من ذلك، يتم تحويل المال إلى وزارة الإسكان أو إلى سلطة أراضي إسرائيل. وهي تلك التي تقوم بتشكيل طواقم التخطيط، وهي التي تقرر. طاقم التخطيط يقوم بعمل ما تطلبه وزارة الإسكان أو سلطة أراضي إسرائيل. للسلطات المحلية لا توجد قوة في التخطيط، وهذا يعطي وزارة الإسكان سيطرة على البلدة. إلا أن الوزارة لا تعرف البلدة كما يعرفها رؤساء المجالس. ونظرا إلى أن الكثير من رؤساء المجالس يرغبون في تقدم الأمور إلى الأمام، يبدون مرونة في مواقفهم ويحصلون على هذا الوضع".

"سوق التأجير تقريبا غير موجود. الناس يحافظون على الشقق لأبناء العائلة"

للشباب الذين لا توجد أرض لعائلتهم، توجد أيضا صعوبة في شراء أو استئجار شقة. سوق القروض السكنية (المشكنتا) الضيق، عدم وجود خدمات بنكية وعدم وجود ائتمان يصعّب في شراء شقة، وسوق التأجير في البلدات العربية صغير جدا، في أعقاب المبنى العائلي. "معظم الأراضي في البلدات العربية هي أراضٍ خاصة. مالك الأرض يبني لنفسه ولأولاده. وهو لا يُدخل عائلة غريبة، بل يقوم بالمحافظة على الأرض إلى الخلية العائلية. أهلي بنوا فوق بيت جدي. وقد اشتروا مساحة قبل 30 عاما، وبنوا هناك بيتا. والدي باع الشقة التي فوق شقة جدي إلى شقيقه، لأنه لم يرغب في أن يُدخل غريبا ليسكن فوق شقة والديه".
"أنا أعرف مبادرا أو اثنين اللذين قاما ببناء مبانٍ للتأجير في الناصرة على أراضيهم"، تقول عودة، "إلا أن تلك حالات وحيدة".

النقص في البنى التحتية: "نحن عالقون في ازدحام واحد كبير، من غير الممكن ضم وحدة سكنية أخرى في الناصرة"

وفقا لأقوال عودة، حتى عندما يتم إضافة وحدات سكنية جديدة إلى المدينة على أراضي الدولة، تنشأ صعوبة في النقص في البنى التحتية. "يتم في الناصرة الآن بناء حي على أراضي الدولة وتوجد أراضٍ تابعة لسلطة أراضي إسرائيل فوق كفار هحورش، وهناك يروجون لبناء حي سكني. البلدية تعارض، وبحق، على إقامة الأحياء. من ناحية البنى التحتية من غير الممكن ضم وحدة سكنية واحدة أخرى في الناصرة. لا توجد بنى تحتية للمواصلات، بنى تحتية لمياه الصرف الصحي (المجاري)، مواصلات عامة أو مؤسسات عامة. نحن عالقون في ازدحام واحد كبير، فالمكان لا يمكنه أن يحتوي أكثر".
هذا الوضع يعزز فقط الحاجة إلى تفكير شامل. "يجب تطوير البنى التحتية. هذا موضوع رؤيا شاملة. المشكلة أنه في دولتنا يتقدمون فقط في إضافة وحدات سكنية، ولا يدركون أننا بحاجة إلى بنى تحتية أيضا وكل الأمور المرافقة. في الناصرة لا يوجد متنزه واحد".

الحل: مجمع أراضي خاصة يتم تأجيره إلى البلديات

تقترح عودة والمركز للتخطيط البديل الذي تعمل فيه حلا للنقص في الشقق وفي البنى التحتية: إقامة مجمع أراضي شاغرة بملكية خاصة التي يتم تأجيرها إلى البلديات على المدى الطويل. "في كثير من البلدات توجد عائلتان أو ثلاث عائلات التي تسيطر على معظم الأراضي في البلدة، لأنها هي العائلات التاريخية، بينما لا توجد أراضٍ لعائلات اللاجئين الداخليين، ولا يوجد حل. إلا أن الكثير من الناس ليسوا بحاجة إلى استخدام الأرض التي بملكيتهم، اليوم وفي السنوات القريبة".
"نحن نقترح أن تدخل تلك الأراضي إلى مجمع مبادرات. وأن تقوم البلدية باستئجارها على المدى الطويل، وتطوّرها للسكن أو لاحتياجات الجمهور. يحصل مالك الأرض على ايجار، أو مبنى بعد انتهاء فترة الايجار".
مخطط آخر الذي تقترحه عودة وهو صفقة تبادل أراضٍ. "من أجل الاهتمام بالنسيج القديم يجب ليس فقط الحديث عن وحدات سكنية، بل ايضا ايجاد حلول إبداعية بايجاد مساحات جديدة. على سبيل المثال، صفقات تبادل أراضٍ. على سبيل المثال، استخدام أرض خاصة في النسيج القديم لغرض عام، مقابل أرض في حي جديد. حتى هذه اللحظة هذا الأمر لا يحدث، لأن الأرض في الحي الجديد هي بملكية الدولة، والدولة تجد صعوبة في إعطاء قطعة أرض لشخص خاص. إلا أنه يجب ايجاد حلول . ليس هناك حاجة لإخراج 70 عائلة، قد نحتاج إلى فقط 10 عائلات من أجل حل الضائقة".

الناصرة. "يوجد الكثير من الأراضي الخاصة من دون استخدام. نحن نقترح أن تقوم البلدية باستئجارها على المدى الطويل، وتطوّرها للسكن أو لاحتياجات عامة" (تصوير: ناتي شوحط / فلاش 90)

في تفكير شامل، وفقا لقولها، من الممكن التوصل إلى حلول. "يجب أن نفكر سوية. الناصرة هي منطقة جبلية، بمعنى، توجد لديك واجهة خامسة – الأسطح. إذا استخدمتها بشكل صحيح، فهذا مكان ممتاز لتطور كامل".
هي تشير إلى النسيج القديم في كل بلدة كتحدٍّ. "تم إهماله لسنوات طويلة. على سبيل المثال سوق الناصرة، الذي كان يمكن أن يكون لؤلؤة، اليوم هو مهمل، يتفتت ومن دون بنى تحتية. مثل هذه المنطقة يجب أن يكون لها تخطيط مختلف. ومن أجل ذلك أنت تحتاج إلى المال، تدخّل حكومي وتسجيل الأرض. اليوم في النسيج القديم توجد أماكن غير مسجلة، التي ورثها الناس. في بعض الأحيان لا يعرفون ما هي حدود قطعة الأرض. قد تكون هناك قطعة أرض صغيرة مع 50 مالكا لها. اليوم يشجعون التسجيل وتنظيم الملكية، هذا لا يزال في بدايته".

ووفقا لأقوال عودة، كل حل يستوجب التعاون بين الجمهور، الحكومة والبلديات. "الوسيط يجب أن يكون البلديات. يجب عليها أن تدير وتحرك الأمور، رسم الخرائط، وتقصي إلى أين يجب التوجه. هكذا سوف يكون في الإمكان ايجاد حل شامل".
في المقابل، يجب على الدولة أن تُدخل يدها إلى جيبها والاستثمار في تطوير البلدات. "السلطات المحلية فقيرة جدا. لا توجد لديها الأموال للتطوير ولمثل هذه الأمور. يجب تطوير التشغيل والصناعة، التي تدر أموالا من ضريبة الأملاك (الارنونا) على البلديات. وهكذا لن تكون متعلقة بالحكومة. البلديات طوال الوقت في عجز. يجب على الحكومة أن تفعل شيئا: إما أن تطور هذه الأراضي وتحوّلها إلى البلدية، أو أن تطوّر البلدة، من أجل أن تربح البلدية المزيد من ضريبة الأملاك (الارنونا)، أو أن تعطي من أراضي الدولة للسكن العام أو للشقق للتأجير".

"عندما تكون السلطة المحلية أكثر قوة، يمكن حل الكثير"

تدرك عودة ضعف السلطات المحلية العربية، التي تفتقر إلى قوى عاملة مهنية، مال لتنفيذ الصفقات، بل وفي بعض الأحيان الاعتبار العام الذي يتيح لها مكانة كوسيطة. "يجب إضافة قوى عاملة إلى أقسام الهندسة"، تقول عودة. "فهي تحت الانهيار. في أفضل الأحوال، يوجد مهندس ومساعد أو موظف صغير. معظم الوقت هم منشغلون في الأمور الجارية وفي حل المشاكل. هم ينهارون. عندما تكون السلطة المحلية أكثر قوة، يمكن حل الكثير. على سبيل المثال، في الكورونا طالب الكثير من رؤساء المجالس إدارة المعركة في بلداتهم لأنهم عرفوا الواقع في البلدة والمعطيات. وقد نجحوا".