مآذن مسجد سيدنا محمود تبدو للناظرين من شارع الساحل وكأنها تنبثق من قلب المدينة نحو السماء. يقع المسجد في وسط حي الكبابير في حيفا. وداخل هذه المنطقة يقع كذلك مكتب أمير الطائفة الأحمدية في إسرائيل، محمد شريف عوده. المكتب مغمور بالنور ونوافذه مُطلة على البحر. وعلى حائط المكتب صور مؤسسي الأحمدية، ميرزا غلام والخلفاء الذين تزعموا الطائفة من بعده.

القبول يمثل القبول قبول شروط الموقع

المكتبة. على حائط المكتب صور زعماء الطائفة على مر الأجيال (تصوير: ينيف شارون)

انعقد المؤتمر السنوي (الجلسة) للطائفة الأحمدية على مدار يومي الخميس والجمعة (14-15/07). وخلال هذا المؤتمر يلتقي جميع أبناء الطائفة ويسمعون محاضرات عن المذهب الأحمدي. ويدعوا الأمير وأبناء الطائفة أبناء جميع الديانات في إسرائيل للقاء وتبادل الحديث. وتشير التقديرات بأن عدد أبناء الطائفة في إسرائيل يبلغ بضعة آلاف.
"لنبدأ من البداية" قال لنا شريف عوده. "في عام 1889 كانت جميع الديانات بانتظار قدوم مُصلح. جميعهم كانوا يتطلعون إلى ظهور شخص ذو رؤيا مع اختلاف الأسماء. كان الميرزا غلام أحمد يعيش في إقليم البنجاب وأعلن نفسه مُصلحاً. لم يؤسس لديانة جديدة، إنما سعى لتحقيق مبدأين: واجبنا تجاه الخالق وواجبنا تجاه البشرية، تجاه الإنسان الآخر".
سعى المؤسس إلى تعديل التفسير الذي جعل من الدين منبعاً للكراهية بدل أن يكون منبعاً للسرور والعطف والمواساة، وسعى إلى إصلاح التناقض بين الدين والعلم وإلى خلق التفاهم بين الأديان. وبحسب ما قاله شريف فإن الميرزا "كان على قناعة بأن الدين بالشكل القائم ما هو إلا أسلوب آخر من عبادة الأوثان وقد عارض بشدة التفسير القائل بأن الجهاد هو عمل حربي".

ميرزا غلام أحمد، مؤسس الطريقة الأحمدية. " عارض بشدة التفسير القائل بأن الجهاد هو عمل حربي"

اضطر أتباعه للهجرة من البنجاب بسبب ملاحقتهم. وأثناء رحلاته أقام الخليفة الثاني (خلف ووريث المؤسس)، ميرزا بشير محمد في مدينة حيفا في عام 1924. وبعد مرور أربع سنوات، أي في عام 1928 تبنى سكان قرية الكبابير المجاورة مبادئ الطريقة الأحمدية. وقد أسست هذه القرية عائلة عودة قبل ذلك بسبعين سنة بعد نزوحها إلى المنطقة قادمة من قرية نعلين خوفاً من الجيش العثماني. وفي تلك المنطقة تم بناء المركز الأحمدي في إسرائيل ومع مرور السنين أصبحت القرية حياً من أحياء مدينة حيفا.

مسجد سيدنا محمود وسط حي الكبابير في حيفا. يعيش الآن في إسرائيل بضعة آلاف من أبناء الطائفة الأحمدية (تصوير: ينيف شارون)

واصل الخليفة ترحاله ومن ثم استقر خلفائه في مدينة لندن، حيث يقيم الآن الخليفة الحالي ميرزا مسرور أحمد.

نضال على الأرض وضد قانون المواطنة

لقد عانى الأحمديون من الملاحقات في كافة أنحاء العالم. وعلى حد ما قاله شريف عودة: "في باكستان يقتلون الأحمديين. لكن وبرغم معاناتنا في الباكستان فإننا نواصل دعمنا للمجتمع الباكستاني. يجب أن يتبنى الإنسان عقيدة وعليه تحقيقها بالعمل".
وفي إسرائيل أيضاً يواجه أبناء الطائفة بعض التحديات، حيث قال شريف عوده: "نحن كطائفة لا نحصل على قرش واحد من الدولة. هذه الأرض أرضنا وقد كان أجدادي يأكلون هنا الخبيزة والعلك. مقبرة كفر سمير تقع على أراضي الكبابير. والآن تسعى الدولة للاستحواذ على أرض مقبرتنا. قبل قيام الدولة تم إعلان هذه الأرض وقفاً ومن ثم رغبوا بتنظيم هذه المسألة والتجأوا إلى المحكمة. من الواضح من هم أصحاب الأرض ولهذا رفضت المحكمة طلبهم. واقترحوا أن "تؤجرنا البلدية الأرض". لا أدري ما الذي يبحثون عنه في المقبرة. وافقت على أي حل والبلدية لا زالت مترددة حيال ما ستفعله".

شريف عوده في مكتبه. "الغالبية العظمى من الشعب لا تبدي رأيها بالنسبة لقانون المواطنة بسبب الخوف. لم تتعلمون شيئاً من العالم العربي" (تصوير: ينيف شارون)

يعتقد عودة أن قانون المواطنة يخلق مشكلة كبيرة بالنسبة لأبناء الطائفة، ذلك لأن قسم منهم يعيشون ما وراء الخط الأخضر. وأضاف قائلاً: "إن قانون لم الشمل هو خزي وعار. فلو كانت للشخص سوابق تتعلق بالإرهاب فمن حق الدولة أن تدافع عن نفسها. لكن ما الذي يريده وزير في الحكومة من شخص يحترم القانون؟ إنه أمر فظيع وغالبية الشعب لا يتكلمون عن ذلك بسبب الخوف. هذه هي السياسة، ترهيب الشعب. لم تتعلموا شيئاً من العالم العربي".

"مليارات الأشخاص في العالم لا يتوفر لهم الماء. هذه وصمة خزي وعار للبشرية"

يقول عودة إن أحد أسرار الحياة المشتركة هو أن نتذكر ونذكر فصول التاريخ الجميل التي امتدت لسنوات بين اليهود والعرب. "نحن بحاجة إلى رواية جديدة. في أحد الأيام عاد والدي إلى البيت وبصحبته يهودي غريب اسمه يولي شترايخمان، وهو مهندس معماري هاجر من روسيا وليس له أقارب. وقال لنا أبي أنه قد خرج من عملية جراحية في مستشفى الكرمل ولا أسرة له. من غير المتبع إدخال غريب إلى بيت عربي فيه امرأة وأخت. لكن أبي قال إننا ملزمون بالعناية به. لقد سكن عندنا واعتنينا به إلى أن استعاد عافيته. وبعد ذلك أيضأ كنا نهتم بأمره".
المبدأ الأخلاقي الذي يتحدث عنه مرتبط بتعاليم الدين. "فالقرآن يعلمنا (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، سورة المائدة، الآية 8). ويقول المؤسس: "إذا كنت تكره فهذا يفسد صلاتك" وأنا أصلي وأتوسل لله بأن يأتي بالصلاح لكن الواقع معقد. أؤمن بان الله أتى ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة. لقد أوفى الله بوعده، فهل توفون أنتم بالتزامكم تجاهه وتحققون تعليمته القائلة "ولا تغش الغريب ولا تحرجه" (سفر الخروج 22، 20)؟ العدل هو القوة وليس القوة هي العدل. العدل هو أدنى درجات الإحسان. يجب أن أرتقي درجة. يجب أن أتنازل عن مكانتي ومالي لأجل تحقيق السلام".

الخليفة الحالي ميرزا مسرور أحمد. يسكن في مدينة لندن (تصوير: أحمد 248/ويكيميديا)

تنشط الطائفة الأحمدية في العالم من خلال منظمة Humanity First التي تعنى بالإغاثة الإنسانية في 91 دولة في مجال الغذاء والماء والصحة والتربية وغيرها. قال لي عودة وهو يصب الماء من القنينة:"انظر إلى قنينة الماء هذه. أتبذرها أم تشربها حتى آخر قطرة. يجب أن تُقدّر المسار الذي مرت به إلى أن وصلتك. مليارات من البشر تنقصهم المياه في عام 2022. هذا عار على البشرية. نحن نهتم بالأطفال. هناك مئات الآلاف يشربون من مضخات نقوم بتركيبها في إفريقيا. الفتاء التي تقدم المساعدة في إفريقيا هي أكثر أهمية من رجال الدين. ما الذي بوسعنا عمله بالأموال التي تُنفق على السلاح؟ مستشفيات وتربية".