
في قلب دالية الكرمل، وتحديدًا في مجمع ياد لبانيم الدرزي، تعمل الكلية التحضيرية العسكرية المشتركة لليهود والدروز كيرم – إيل. وبشكل رمزي، يقع فوقها بيت أوليفانت، حيث سكن هناك نفتالي هيرتس إيمبر مؤلف النشيد الوطني هتيكفا (الأمل)، وتحتها يقع النصب التذكاري لشهداء الطائفة الدرزية، الذي يخلد ذكرى 448 شهيدًا درزيًا، من بينهم 15 شهيدًا الذين سقطوا في حرب ‘السيوف الحديدية‘. على المسار في قلب مجمع الكلية التحضيرية العسكرية المشتركة لليهود والدروز ، يقف مبنى تذكاري لليفتنانت كولونيل (المقدم) سلمان حبقة، خريج الدفعة الأولى للكلية التحضيرية العسكرية ، الذي سقط في غزة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2023.
يقول منير ماضي، مدير عام الكلية التحضيرية العسكرية وأحد مؤسسيها، بأن الحديث لا يدور عن تمجيد الموت، بل عن تقديس الحياة. وأضاف منير ماضي قائلًا : "نحن نريد أن يفهم الطالب أننا نعيش هنا بفضلهم".
قرر منير ماضي أن يؤسس الكلية التحضيرية العسكرية للشباب الدروز في عام – 2005، بينما كان لا يزال يخدم في جيش الدفاع الإسرائيلي، سوية مع أمل نصر الدين، وجدي سرحان ورامي أونجر. في عام – 2008 تم افتتاح الدفعة الأولى، تحت إدارة لبيب طريف. يقول منير ماضي بفخر: "اليوم نحن في الواقع في الدفعة الـ – 18، مع 791 خريجًا و101 ضابطًا". وأضاف منير ماضي قائلًا : " في كافة الوحدات ، في كافة الوظائف".
لم تكن الكلية التحضيرية العسكرية مشروعه الوحيد لدمج الشباب الدروز في الجيش وفي المجتمع. خلال خدمته كقائد للمنطقة الدرزية – الشركسية في سلاح التعليم، قاد مشروع ‘عتيديم‘ لتعزيز شباب من المناطق البعيدة والضواحي عبر المسارات الأكاديمية. يروي منير ماضي قائلًا : "قالوا لي إن الدروز لن يأتوا"، وتابع منير ماضي قائلًا : "إلا أنني نجحت في تجنيد 194 درزيًا للمشروع".
منذ تسريحه من جيش الدفاع الإسرائيلي في عام – عام 2013، بعد 25 عامًا من الخدمة، يترأس منير ماضي الكلية التحضيرية العسكرية. بعد تفكيك كتيبة ‘حيرف‘ (كتيبة السيف) الدرزية في عام – 2015، تحولت الكلية التحضيرية العسكرية إلى كلية تحضيرية عسكرية لأبناء الشبيبة الدروز واليهود معًا. يقول منير ماضي : "أطلقنا عليها اسم الكلية التحضيرية العسكرية ‘إخوة‘، وأردف منير ماضي قائلًا : "منذ ذلك الحين ينضم إليها في كل عام 50 طالبًا، 25 طالبًا درزيًا و – 25 طالبًا يهوديًا". في السنوات الأخيرة، تحظى الكلية التحضيرية العسكرية بدعم من قبل مبادرة ‘نتحاور – مبادرات رئيس الدولة من أجل غد مشترك‘. على حد أقوال منير ماضي فإن الدمج هو جوهر العمل في الكلية التحضيرية العسكرية. واستطرد منير ماضي قائلًا : "هذا الدمج الخاص، بين الدروز واليهود هو جيل المستقبل".
منير ماضي، الذي أوقد الشعلة في يوم الاستقلال قبل أربع سنوات، ينظر إلى شهادات التقدير في مكتبه ويؤكد قائلًا : "بالنسبة لي، هذه هي مجرد إشارة إلى أنني في الاتجاه الصحيح". اليوم سوف يشارك في مؤتمر رئيس الدولة للغد الإسرائيلي المشترك، الذي سوف يتناول إعادة بناء المجتمع الإسرائيلي من جديد مع اقتراب الذكرى الـ – 80 لإقامة الدولة.
"في الدين الدرزي لا يوجد هناك تعارض بين التقاليد والحداثة"
عندما يسألون منير ماضي عن سر نجاح الكلية التحضيرية العسكرية، يجيب منير ماضي قائلًا : "قبل كل شيء أنا فلاح. الفلاح يأتي من أجل أن يحرث الأرض على حمار، المزارع يقود جرارًا (تراكتور). أولاً وقبل كل شيء أنا أؤمن بالعمل الشاق. الأمر الثاني هو التفكير خارج الصندوق، الأمر الثالث هو العمل مع الناس. نحن نتعاون مع 85 جهة".
إلى جانب ذلك، يشدد منير ماضي على محاولة الدمج بين التقاليد والحداثة. يقول منير ماضي : "أنا أتذكر دائمًا من أين أتيت، وأعرف إلى أين أرغب في الذهاب. أنا أحافظ على الجمرة، وعلى الموروث. لكن أنا أعرف، أنني يجب عليّ أن أتقدم أيضًا، مع الحداثة، فأنت لا يمكنك أن تبقى متخلفًا في الخلف. في الدين الدرزي، لا يوجد هناك تعارض بين الأمرين".
تمكين الشابات الدرزيات في الخدمة وفي التعليم العالي
يروي منير ماضي أنه عمل على مدار سنوات طويلة على تمكين الشابات الدرزيات في مسارات الخدمة والتعليم العالي. ويصف منير ماضي حالة شابة درزية سجلت في مسار أكاديمي عسكري دون موافقة عائلتها، وحصلت في نهاية المطاف على منحة لدراسة موضوع الطب. يقول منير ماضي : "اهتممنا بأن تحصل على منحة لدراسة موضوع الطب، وهي اليوم طبيبة في مستشفى في مركز البلاد". ويلخص منير ماضي حديثه قائلًا : "كل شيء في أوانه صحيح". واستطرد منير ماضي قائلًا : "هذه عملية يمر بها المجتمع الدرزي ، رويدًا رويدًا. نحن لا نزال طائفة صغيرة التي يجب عليها أن تتذكر تراثها، وأن لا تحرر كل المجتمع. يجب أن نحافظ على الجذور، على القيم، على الأرض".
كما عمل منير ماضي أيضًا على تعزيز الخدمة الوطنية بين الشابات الدرزيات. على حد أقواله، واجه في البداية معارضة من قبل قيادة الطائفة، إلا أنه استمر في تعزيز هذه الخطوة سوية مع جمعيات أخرى ومع ناشطين آخرين. ولدت الفكرة في عام 2007، بعد أن قام بزيارة إلى قرية الأطفال في حرفيش، حيث رأى ثلاث شابات درزيات من معليا يتطوعن في الخدمة الوطنية. في أعقاب اللقاء توجه إلى حايا شموئيل رحمها الله ولتكن ذكراها طيبة من جمعية "شلوميت" في محاولة منه لفهم لماذا لا توجد تقريبًا فتيات درزيات في الخدمة الوطنية، وفي وقت لاحق عمل على تعزيز دمجهن سوية مع جهان أخرى. في البداية واجهوا معارضة من مجلس حكماء الطائفة الدرزية ، إلا أن منير ماضي لم يستسلم، وتوجه إلى جمعية "بات عمي" وإلى أمل نصر الدين رحمه الله ولتكن ذكراه طيبة، من مؤسسي الكلية التحضيرية العسكرية ومؤسس ياد لبنيم الدرزية، الذي أخذ هذه المبادرة ورعاها.
على حد أقواله، من أجل تمكين اندماج الفتيات الدرزيات تم نقل التدريبات والنشاطات إلى دالية الكرمل، "من أجل أن لا تضطر الفتيات إلى الخروج". وأضاف منير ماضي بأن زوجته قادت هذا المشروع على مدار سنوات طويلة، على الرغم من الاعتراضات في داخل الطائفة. يقول منير ماضي: "الشيخ غضب مني، إلا أننا كنا مصممين". وتابع منير ماضي قائلًا : "بعد 19 عامًا، أنهت ما تزيد عن – 10000 فتاة خدمتها التطوعية".
"قانون القومية سلب منا الفخر الداخلي"
يؤكد منير ماضي أن الولاء للدولة هو جزء لا يتجزأ من التقاليد الدرزية، إلى جانب ذلك فإنه أعرب عن إحباطه من تعامل الدولة مع الطائفة الدرزية، على وجه الخصوص في قضايا البناء وقانون القومية. على ح أقواله، فإنه "آن الأوان بأن تسمح دولة إسرائيل للدروز بالبناء على أراضيهم الخاصة". كما ينتقد أيضًا على كيفية تطبيق تعديل كامينيتس. واستطرد منير ماضي قائلًا: "هناك من غط في النوم في الحراسة – الدولة أولًا وقبل كل شيء، ولكن سلطاتنا المحلية أيضًا".
يعرّف منير ماضي نفسه على أنه "درزي – إسرائيلي فخور"، ويؤكد على أنه ليست لديه مشكلة في تعريف إسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي، إلا أنه وعلى حد ادعائه فإنه يرى أن قانون القومية أضر بالشعور بالانتماء لدى أبناء الطائفة. وواصل منير ماضي حديثه قائلًا : "القانون سلب منا تلك الإسرائيلية، ذلك الفخر الداخلي".
"جهاز التربية والتعليم اليهودي يتحرك بسرعة المرسيدس، وعندنا يتحرك بسرعة الرافعة الشوكية. قمت ببناء خطة تلائم الجميع"
وديع بيبار، رئيس الكلية التحضيرية العسكرية، يبارك هذا الاندماج بين الشباب الدروز وبين الشباب اليهود ويرى فيه مصدراًً لـ "الإخصاب المتبادل" من خلال الانكشاف على الثقافات، العادات والعقليات المختلفة. على حد أقواله فإنه توجد هناك رغبة كبيرة من جانب الشباب الدروز في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، إلا أنه في المقابل يتحدث أيضًا عن أزمة هوية في داخل الطائفة الدرزية. إلى جانب ذلك، فإنه يتطرق إلى الصعوبة في تجنيد الشباب الدروز إلى الكلية التحضيرية العسكرية، والتي على حد أقواله تنبع على وجه الخصوص من فجوات في جهاز التربية والتعليم. يقول وديع بيبار : " جهاز التربية والتعليم اليهودي يتحرك بسرعة المرسيدس، وعندنا يتحرك بسرعة الرافعة الشوكية".
في الكلية التحضيرية العسكرية يحاولون جسر هذه الفجوة من خلال التعامل الشخصي والعمل الشاق. يقول وديع بيبار : "علاقتنا هي علاقة عائلية، هذا ما يميز الكلية التحضيرية العسكرية. لقد قمت ببناء المنظومة كبدلة شخصية مفصلة لتناسب الجميع". وأضاف وديع بيبار قائلًا : "أخذت جزءًا من هذا وجزءًا من ذاك، وقمنا ببناء خطة تناسب الجميع". على حد أقواله، فإن الكلية التحضيرية العسكرية تعمل على مدار سنوات طويلة مع موارد محدودة ومن خلال الاعتماد الكبير على العلاقات وعلى التعاون المشترك.
وتابع وديع بيبار قائلًا : "حققنا كل شيء بالعمل الشاق، ليس لدينا مال". واستطرد وديع بيبار قائلًا : "في كلية تحضيرية عسكرية أخرى تصل رسوم التعليم إلى 18 ألف شيقل، أما أنا فبالكاد أجبي 3000 شيقل. في السنوات العشر الأولى لم نكن نجبي شيئًا من رسوم التعليم". على حد أقواله فإن كثيرين يجدون صعوبة في دفع رسوم التعليم العالية.
أرغب في أن أحوّلهم إلى أفوكادو، مع نواة صلبة من الثقة بالنفس
يؤكد وديع بيبار أن الهدف من الكلية التحضيرية العسكرية هو ليس إعادة إيجاد الطلاب من جديد، بل منحهم أدوات للحياة. يقول وديع بيبار : "أنا لست في حاجة الآن إلى أن أغرس القيم في الطالب لأنهم يأتون بها من البيت. وأنا لست في حاجة إلى إقناعه بالتجنيد. أنا أقوم بإعداده إلى الحياة". على حد أقواله، فإن التغيير يتمثل في التفاصيل الصغيرة مثل : النظام والانضباط اليومي، المسؤولية الشخصية والمثابرة والاستمرارية. ومضى وديع بيبار يقول : "عندما يسألني أولياء الأمور : ‘ماذا فعلت للولد، الذي لم ننجح في فعله على مدار 18 عامًا؟‘ أقول لهم : علمته أنه يوجد هناك جدول زمني، وأنه في الساعة السادسة والنصف صباحًا يجب عليه أن يكون مرتديًا زيًا رياضيًا، أنه في الساعة الثامنة صباحًا توجد هناك وجبة فطور، بأنه يجب أن يغسل أطباقه وأن يرتب سريره. هو يعرف أنه يجب عليه أن يجلس في الغرفة الدراسية حتى لو كان ذلك صعبًا عليه".
يصف وديع بيبار فلسفته التربوية من خلال التشبيه بـ "البصل والأفوكادو". يقول وديع بيبار : "البصل هو توابل الحياة، فعندما تقوم بتقطيعه يسبب لك ذلك انهمار الدموع ". وأضاف وديع بيبار قائلًا : "هؤلاء الأولاد يسببون لنا الكثير من الدموع والبكاء في بداية الطريق". على حد أقواله، فإن التربية والتعليم تركز في بعض الأحيان على التميز فقط ولكن لا تتيح للشباب أن يعيشوا التجارب وأن يبنوا الثقة بالنفس. يوضح وديع بيبار قائلًا : "أرغب في أن أحوّلهم إلى أفوكادو". وتابع وديع بيبار قائلًا : "الأفوكادو عندما يكون ناضجًا وصحيًا يكون طريًا، وعندما تقوم بفتحه توجد هناك نواة صلبة. هذه النواة هي الثقة بالنفس، ليست القوة البدنية، بل هي المعرفة واللغة".
"كان من الصعب عليّ أن استوعب وأن أدرك أنني على وشك أن أعيش في قرية بالفعل"
يقول الطلاب أن الانتقال إلى الكلية التحضيرية العسكرية قد عرّفهم على بيئة وعلى ثقافة لم يكونوا على دراية بهما عن قرب من قبل . إيتان دافيد الذي يبلغ من العمر (19 عامًا) من كريات طبعون ، يقول إنه واجه صعوبة في البداية في التكيف مع العيش في القرية الدرزية ومع الاختلاف في العادات وفي أسلوب الحياة. وأضاف إيتان دافيد قائلًا : "كان من الصعب عليّ أن استوعب وأن أدرك أنني على وشك أن أعيش في قرية بالفعل. في اليوم الأول كان من الغريب جدًا أن أرى كل هؤلاء الدروز. كل شخص يأتي من مكان آخر وهذه ثقافة مختلفة، وهذه عادات مختلفة. هذا ليس وكأنني أبدو في منطقتي".
يروي إيتان دافيد أنه بعد شهرين في الكلية التحضيرية العسكرية، شعر أنه في بيته. وتابع إيتان دافيد قائلًا : "الشباب هنا، هم ليسوا مجرد رفاق، بل هم أصدقاء حقًا. في البداية كان كل واحد منا يرغب في أن يعود إلى البيت في عطلة نهاية الأسبوع، لكن في مرحلة معينة أدركت أنني أشعر بالملل في البيت وأنني أرغب في أن أبقى هنا. أنا في الكلية التحضيرية العسكرية طوال الوقت مع أصدقائي الذين أحبهم".
"فهمت ثقافة اليهود ، عززت قيمي"
كذلك أيضًا يصف رام طافش، الذي يبلغ من العمر 19 عامًا من بيت جن، بداية الطريق بأنها كانت مربكة إلى حد ما. يقول رام طافش : "لم أكن مع يهود من قبل، لم يكن لدي أصدقاء يهود. في البداية قلت إنني لا أرغب في أن أكون هنا، لكن بعد أن مر الأسبوع الأول قلت: ‘والله إنه لأمر جيد، الناس هنا ودودون جدًا ويقدمون المساعدة لبعضهم البعض. اليوم الكلية التحضيرية العسكرية هي بيتي الثاني".
على حد أقوالهما، فإن التكيف مع العيش في الكلية التحضيرية العسكرية لم يكن فوريًا. يستذكر الاثنان بابتسامة طابور المرحاض في الصباح، وبنبرة أكثر جدية الجدالات والخلافات التي تحدث. يقول رام طافش : "أنت رويدًا رويدًا تبدأ بالتعود وتبدأ تتعلم الناس، كيف تتحدث معهم". إلا أن الصعوبة الكبرى جاءت تحديدًا مع اندلاع الحرب مع إيران والعودة القسرية إلى البيت. يقول إيتان دافيد : "وجدنا أنفسنا لمدة شهر في البيت" . وأضاف إيتان دافيد قائلًا : "أنت لا تجد نفسك، تنتظر أن تعود إلى الكلية التحضيرية العسكرية بفارغ الصبر".
يقول رام طافش بأن السنة التي قضاها في الكلية التحضيرية العسكرية غيرت أيضًا نظرته إلى المجتمع الإسرائيلي وإلى نفسه. وأضاف رام طافش قائلًا : "أنا أشعر أنني فهمت ثقافة اليهود. قبل ذلك لم أكن أفهم". واختتم رام طافش حديثه قائلًا : "عززت قيمي ، مسؤوليتي. هذا الأمر يجعلني أشعر بالرضى".

