
"كم منكم يخرج من منزله وهو يخشى أن يحدث له شيء؟" هذا السؤال الذي طرحه ياسر العمور على الحضور في افتتاح الجلسة الحوارية في افتتاح جلسة، وهو المرافق المركزي للوساطة والحوار المجتمعي في المجتمع البدوي في النقب في جلسة الحوار بعنوان "نمهد لتحمل المسؤولية: الوساطة والحوار كركيزة لمنع العنف". وأضاف أن هذا الخوف، بالنسبة لكثير من المواطنين العرب في إسرائيل، ليس سؤالًا افتراضيًا أو بلاغيًا، بل هو جزء من روتين الحياة اليومية، في ظل تصاعد العنف.
عُقدت الجلسة الحوارية يوم الثلاثاء الماضي ضمن مؤتمر الوساطة الثامن عشر، وناقشت سبل مواجهة تصاعد العنف في المجتمع العربي عبر تفعيل أدوات مجتمعية مثل الوساطة والصلح والحوار. وشارك في الجلسة باحثون وناشطون اجتماعيون وأخصائيون اجتماعيون ورجال دين، حيث تطرقوا إلى التدهور المستمر في مستوى الأمن الشخصي، وإلى شعور متزايد لدى المواطنين بتخلي الدولة عنهم، إضافة إلى استعراض مبادرات محلية تهدف إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز المسؤولية وتقوية دور المجتمع في الحد من العنف.
"لا يقتصر تأثير العنف على الضحية المباشرة فقط"
يقدّم بحث د. نيفين علي-صالح دراوشة، الباحثة في قضايا العنف المجتمعي في كلية العمل الاجتماعي بجامعة بار-إيلان، صورة مقلقة يُظهر أن العنف لا يقتصر على دائرة الجريمة الضيّقة والمباشرة فقط. ويعتمد البحث، الذي شمل 740 أسرة وركّز على أطفال ومراهقين تتراوح أعمارهم بين 9 و17 عامًا، على إبراز حجم التأثيرات الواسعة للعنف، والتي تمتد إلى دوائر اجتماعية أبعد من الضحايا المباشرين.
"عندما بدأتُ البحث عام 2020، كانت مستويات العنف أقل مما هي عليه اليوم. عادةً ما تتناول وسائل الإعلام الحالات التي تنتهي بقتل، لكنها تهمل الحديث عن الدائرة الثانية؛ أي الأشخاص الذين يتضررون من العنف حتى وإن لم يكونوا ضحايا قتل."
البيانات التي عرضتها الباحثة مقلقة للغاية؛ إذ أظهرت أن 72% من الشباب المشاركين في الدراسة تعرضوا للعنف بشكل مباشر، بينما 96% منهم كانوا شهودًا عليه. أما بين البالغين، فقد تبيّن أن 92% تعرضوا لضرر ناتج عن العنف، في حين أفاد 97% من الأهالي بأنهم شاهدوا أو سمعوا حوادث عنف. وبحسب الباحثة، فإن هذه النتائج تنعكس في آثار نفسية مستمرة مثل الصدمة النفسية المزمنة، والانطواء، والقلق، وتراجع التحصيل الدراسي. ويضاف إلى ذلك ضغط لدى الأهالي يدفعهم إلى تقييد حركة أبنائهم، وأحيانًا إلى عزلهم، بدافع حمايتهم من المخاطر.
أشارت دراوشة أيضًا إلى خللٍ عميق في بنية خدمات الرفاه الاجتماعي والدعم في المجتمع العربي. ووفقًا لها، فإن مفهوم "العنف الاجتماعي" لا يزال غير متطور بالقدر الكافي على المستوى البحثي، كما أن هذا المجال يعاني من نقص في التمويل.
"يتحدث الأخصائيون الاجتماعيون عن مفاهيم مثل العنف في المجتمع، والجريمة والسوق السوداء، لكن هذه مفاهيم لا تُدرَّس دائمًا ضمن التدريب المهني"، قالت. "معظم تدريب الأخصائيين الاجتماعيين يركّز على العنف الأسري، لأن هناك قانونًا ينظمه، وكذلك موضوع الأطفال".
في هذا الواقع، يتعرض المهنيون أنفسهم لنفس الصدمة. وقالت دراوشة: "يجب أن نضع هذا على الطاولة: العاملون في العلاج، وعلماء النفس، والمعلمون، والعاملون في الإعلام، جميعهم يعيشون واقعًا صادمًا واحدًا. فعندما يروي لي شاب تجربته، قد أتعرض بدوري للضغط الذي عاشه، وهذا ما يُعرف بالصدمة الثانوية. لكن العاملين في مجال العلاج، ممن يتعاملون يوميًا مع طلبات المساعدة، لا يحصلون دائمًا على اعتراف أو دعم علاجي مناسب لهذه الحالة".
"الدولة تخلّت عنا ولا ترانا"
خلف الأرقام والنسب تقف حياة كاملة انتهت. نقلت جومانا خلايلة حاج علي، الناشطة الاجتماعية من شفاعمرو، إلى المنصة صوت العائلات الثكلى. شقيقها الأكبر، جميل، قُتل في عكا على خلفية نزاع لم يكن له ولا لعائلته أي صلة به.
"منذ اليوم الأسود الذي فقدتُ فيه شقيقي الأكبر وحتى اليوم، لا يوجد نور ولا بصيص أمل في عائلتنا. كل شيء مظلم." شاركت بألم. "لقد ترك خلفه زوجة وأربعة أطفال يشتاقون إليه، وكنتُ دائمًا أعمل ضد العنف حتى وصل إليّ."
هاجمت حاج علي بشدة مؤسسات الدولة والشرطة، ووصفَت شعورًا عميقًا بالتخلّي: "الدولة تخلّت عنا ولا ترانا. كيف ينتقل السلاح بين أطفال في سن 16-17؟ إذا طلب شخص ترخيص سلاح، ليس من المؤكد أن يحصل عليه، لكن السلاح غير القانوني منتشر. الشرطة تعرف من هم القتلة ولا تفعل شيئًا. لا أحد يحميني سوى لجان الإصلاح".
بحسب قولها، فإن الصدمة تمتد أيضًا إلى الجيل القادم. "الأطفال حتى اليوم لا يريدون تلقي علاج، وهذا يؤلمني. الأصغر يوافق، لكن الأوسط لا. أرى الحزن في أعينهم، وكيف ينظرون إلى الأمور، وكيف يندفعون إلى الفرح، وترين أن هذا ليس طبيعيًا".
ما بين "الصُلْح" والوساطة الحديثة
في ظل غياب الشعور بالأمن وتراجع الثقة بمؤسسات الدولة، تتطور آليات مجتمعية بديلة. ويعتبر الشيخ عباس زكور، مدير لجنة الصلح في عكا ضمن برنامج "لجان الإصلاح ينقذون حياة"، أن عمله يمثل واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ملحًّا.
"كل من يستطيع يجب أن يقف ضد سفك الدماء"، قال، واقتبس من القرآن: "من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".
زكور يمزج بين تقاليد الصلح وبين أدوات الوساطة الحديثة التي تعلّمها في مركز الوساطة المجتمعي في عكا. على إثر مقتل جميل، غادرت عائلته إلى ألمانيا، فيما سافر زكور بنفسه إلى رومانيا ومكة المكرمة بهدف تحقيق "هدنة"، أي وقف إطلاق النار، والمساعدة في إنهاء نزاع دموي طويل الأمد.
"لم تحدث أي جريمة قتل في عكا لمدة سنة ونصف منذ مقتل جميل"، قال، لكنه شدد على أن هذا النجاح المحلي لا يغني عن سياسة شاملة: "أنا مندهش من أنه في كل إسرائيل لا توجد خطة لكيفية منع الجريمة القادمة. لكن لدى 10–15 عصابة خططًا كاملة. إنهم تنظيم كامل يملك المال والسلاح. ينفذون عمليات القتل ولا يتم القبض عليهم".
أشار زكور إلى ظاهرتين تعززان منظمات الجريمة: حالة اللامبالاة العامة، ولجوء مواطنين عاديين إلى مجرمين لحل خلافات يومية. وقال: "عندما يلجأ أشخاص طيبون إلى مجرمين لحل مشاكلهم، فإن ذلك يقوّيهم. من الأسهل إجراء صلح بين أشخاص طيبين. المجرمون يفرضون المال على الجميع. كثير من الناس ببساطة لا يعرفون إلى أين يتوجهون. لم نُربِّ الأطفال، لا في المساجد ولا في المدارس، على كيفية التصرف عند وقوع مشكلة أو إلى أين يجب أن يتوجهوا".
"نساء شجاعات قدن التغيير"
في ظل حالة انسداد، عرضت خديجة عدوي، مديرة مركز الوساطة والحوار المجتمعي في طرعان وأخصائية اجتماعية، نموذجًا للعمل المجتمعي القائم على المبادرات المحلية. وجرى تأسيس المركز في طرعان عقب نزاع عائلي حاد عام 2018 على خلفية الانتخابات المحلية، ما خلّف انقسامًا اجتماعيًا عميقًا وتراجعًا في الثقة بالمؤسسات.
لتجاوز مقاطعة مؤسسات المجلس المحلي، بادرت عدوي إلى إطلاق "مشروع الأحياء" الذي ارتكز على نساء من القرية. وقالت: "أخذنا نساء شجاعات كنّ يرغبن في إحداث تغيير. قسمنا القرية إلى عائلات وأحياء، بهدف تعزيز الشعور بالأمان وخلق بيئة أكثر استقرارًا. تدريجيًا انتقلنا إلى لقاءات مشتركة، وقد استغرق ذلك ثلاث سنوات. كل امرأة استضافت في منزلها مجموعة تضم أكثر من 30 امرأة حوّلت المكان من مساحة يسودها الغضب والتوتر إلى مساحة أكثر هدوءً وأمانًا".
أصبحت النساء اللواتي شاركن في العملية بمثابة سفيرات لحل النزاعات في المدارس ورياض الأطفال. وقد مهد هذا النجاح الطريق أيضًا لافتتاح دورة في الوساطة للرجال من مختلف العائلات. وقالت عدوي: "كما نجحنا مع النساء، سننجح مع الرجال".
أوضح المشاركون في الجلسة أن الوساطة والحوار في المجتمع العربي لم يعودا أدوات أكاديمية أو رفاهًا اجتماعيًا، بل أصبحا بنية أساسية وحاسمة لإنقاذ الأرواح في واقع يتسم بغياب فعلي للدولة. ومع ذلك، أكّدوا أنه من دون تغيير في السياسات البنيوية، وتخصيص ميزانيات للأبحاث، وتأهيل الكوادر المهنية، واستعادة الشعور الأساسي بالأمن لدى المواطنين، ستبقى هذه المبادرات المحلية جهودًا محدودة يقودها عدد قليل من الشجعان في مواجهة واقع أوسع يستمر في تجاهل المشكلة.

