
"المولود البدوي في النقب يولد في واقع تكون فيه احتمالات موته حتى بلوغه سنة واحدة من العمر أكبر بخمس مرات من الواقع في المجتمع اليهودي. في سنة 2023 بلغت نسبة وفيات الرضع لدى البدو في النقب 9.2 لكل ألف مولود حي، وذلك مقارنة بنسبة 1.9 في أوساط السكان اليهود. هذه فجوة لا يستوعبها العقل البشري ويُثبت حجم غياب الخدمات الصحية التتابعية والمناسبة ثقافياً وأن هذه الخدمات ليست كماليات، إنما هي حقاً مسألة موت وحياة". هذه أقوال عضوة الكنيست ميراف كوهين، رئيسة لجنة رفع مكانة المرأة في الكنيست في افتتاحية النقاش العاصف الذي تم هذا الأسبوع. موضوع النقاش: تهديد إغلاق متكرر وحقيقي يخيم على برنامج الوسيطات البدويات في مراكز رعاية الطفولة في النقب. نحن بصدد برنامج يوفر استجابة ضرورية هدفه تسهيل تقديم العناية الطبية للأمهات والأطفال الرضع والأولاد وتقليص الفجوات الصحية الشديدة. وأكدت كوهين بقولها أن "مشروع الوسيطات ليس بالأمر الهامشي" ، إنما هو "خدمة بدونها لا تتلقى النساء الخدمات الطبية اللازمة".
المحامية رلى حليحل، مديرة مركز حقوق النساء البدويات "معك"- حقوقيات لأجل العدالة الاجتماعية"، والتي ترافق الوسيطات تشرح حجم السخافة: "هذا برنامج يعمل منذ عدة سنوات، لكن يقومون بتجميده كل سنة بحجة غياب الميزانيات. وزارة المالية تعي وتعرف وصرحت من قبل بأن هذا البرنامج يقلل من نسبة وفيات الأطفال الرضع. كان الهدف هو تقليل نسبة وفيات الأطفال الرضع وتبين لهم أن هذا البرنامج مفيد ويحقق النجاح، ولهذا ترغب وزارة الصحة بمواصلة العمل بالبرنامج، لكن هناك مسألة بخصوص الميزانية".
تصف المحامية رلى حليحل واقع مستمر من عدم الاستقرار. "أوقفوا البرنامج في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر وبعد نضال خضناه بالتعاون مع جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" و"رابطة حقوق المواطن" تمت إعادة تشغيل البرنامج في شهر نيسان/ أبريل. لكن لم يتم إعادة تشغيل البرنامج بأكمله. حتى اليوم هناك 4 مراكز كبيرة لرعاية الطفولة في رهط لأن النساء يأتين إلى هذه المراكز من جميع أنحاء النقب. ومن المفترض أن تعمل الفرق الطبية في هذا المراكز طيلة خمسة أيام في الأسبوع، واليوم هناك وسيطتين فقط على 4 مراكز رعاية- لقد قاموا بتقسيم الوسيطات".
هناك اليوم 20 وسيطة يعملن على أرض الميدان، وجميعهن نساء بدويات من النقب ممن تلقين التأهيل واجتزن الامتحانات. "تلك نساء لسن كالممرضات لأنهن يبقين على تواصل مع الأمهات"، هذا ما قالته رلى حليحل. "النساء يثقن بهن ويعتمدن عليهن لأن الناس هناك في النقب لا يثقون كثيراً بالمؤسسات، ولهذا فالنساء يثقن بهن. هناك فجوة لغة وفجوة ثقافية إدارية لدى النساء البدويات. إنهن أحياناً لا يفهمن تماماً الممرضات اليهوديات ويشعرن بالإحراج من تكرار السؤال. أما الوسيطات فإنهن حاضرات على الدوام ويقدمن للنساء زاوية مريحة لطرح الأسئلة دون حرج، وخاصة الأمهات الشابات. إنهن حقاً يكترثن شخصياً، إنهن يتعاملن مع جاراتهن".
"أحياناً تجلس الأم لدى الممرضة ولا تفهم أي فحص تُجريه"
لكي نفهم ما هي الوظيفة بالنسبة للوسيطات أنفسهن، علينا أن نستمع لوداد دباري (35 سنة)، من سكان شقيب السلام، متزوجة وأم لثلاث بنات وولدين. دباري تتواجد في مراكز رعاية الطفولة منذ سن مبكرة. في سنة 2009 أدت الخدمة الوطنية في مركز رعاية الطفولة في شقيب السلام، وهناك تعرفت إلى الوظيفة عن كثب. في سنة 2013 حين كانت حامل بطفلها الثاني تم فتح دورة الوسيطات ومنذ ذلك الحين وهي تعمل بهذه الوظيفة.
"الآن تأتي إلي أمهات ممن كن يحضرن مع أولادهن واليوم يحضرن مع أحفادهن ويقلن لي "أنت هنا منذ مدة طويلة"، هذا ما قالته وداد دباري وهي تبتسم. "أنا أقول دائماً أن مركز رعاية الطفولة هو بيتي. لا أشعر بأنني ذاهبة إلى العمل. إنه بيت، لأن الناس يأتون إلي ويعتمدون علي ويثقون بما أقول لهم. كذلك الفريق الطبي هنا والممرضات يتعاملون معي معاملة طيبة. نحن لا نتنافس فيما بيننا وأنا لا أشعر بأنني أقل منهن. إنهن يقلن لي "حين تكوني حاضرة في المركز نشعر بان يومنا سيسير على ما يرام".
العمل اليومي الذي تقوم به دباري واسع ويتصل بجميع أجزاء اللقاء الطبي. "أجلس في غرفة الانتظار، حيث تجلس العائلات وأتناول الدفاتر وأسجل فيها وأقدم لهن الإرشاد هناك في غرفة الانتظار. أحياناً هناك حاجة لترجمة وأقوم بالترجمة، وإذا كان عدد الأشخاص قليل أقوم بإرسال دعوات للتطعيمات". بصفتها جزء من المجتمع فإن هذا يخلق ثقة لا تخلقها أي رسالة رسمية. "حتى حين تخرج الأم من غرفة الممرضة تأتي إلي وتسألني أسئلة. وحين أتأكد بأنها تقوم بإجراء الفحوصات المطلوبة منها- فهذا يمنحني شعور لطيف. أحياناً تجلس الأم لدى الممرضة ولا تفهم ما عي الفحوصات المطلوبة منها ولا تقوم بإجراء الفحص فقط لأنها لم تفهم ما هو الفحص. أنا أدخل وأترجم للأم"
دباري تتعامل كل يوم مع معتقدات تقليدية من شأنها أن تشكل خطراً على الحياة. "في مجتمعنا نتلقى المعلومات والمعرفة من أمهاتنا. هناك تصرفات تشكل خطورة على حياة الطفل وأشدد للنساء على تجنبها حتى وإن نصحوك بها لأنها قد تسبب الموت. منذ فترة وجيزة كانت هنا أم مع طفلها الأول وعمرها ما بين 17-18 سنة وأخبرتني أن أمها قالت لها أن تتوقف عن إعطاء فيتامين D. سألتها عن السبب فقالت لي أن لا حاجة لإعطاء الفيتامين لكي لا تنغلق فتحة الدماغ. وأم أخرى قالت لي أن الحديد يضر بالأسنان لأن هذا ما قالته لها أختها. وأنا أقول لهن أن هذه الأقوال ليست نابعة عن علم وأقول لهن "اقرأن، وتأكدن أن الأمر ليس كذلك".
ولأجل مساندتهن فتحت لهن دباري مجموعة واتس اب بلغ عدد الأغضاء فيها اليوم 600 أم وتنشر من خلال هذه المجموعة جميع المعلومات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة بخصوص صحة الأسرة. "أثناء أوقات فراغي أجيب عن الأسئلة من خلال هاتفي، والمهم أن يستلمن المعلومة في الوقت المناسب ويأتين في الوقت المحدد لتلقي التطعيمات. الممرضات لن يقمن بهذا العمل".
زيادة على تسهيل التواصل الطبي، فإن حضور وداد في قاعة الانتظار يمنع المناوشات والعنف. "نحن نقلل من العنف تجاه الفريق الطبي. في مركز رعاية الطفولة ينظرون إلى الدفتر حيث تكون مكتوبة ساعة الزيارة وهنا تندلع مشاكل مع الأشخاص الذين يصلون متأخرين عن الموعد المحدد. أنا في قاعة الانتظار أقوم بالتسجيل جانباً وأقول: "لا داع للصراخ، لقد أتيت متأخرة ولهذا لن أدخلك على الفور". هذا النظام الذي نطبقه في الخارج يساعد الجميع، ولهذا السبب يقولون لي "حين تكونين حاضرة فكل شيء يسير على ما يرام" . "ومن يقوم بالانتظار خارج القاعة فإنني أتقدم إليه لكي لا يطيل الانتظار".
من غرفتها في المركز تقوم أيضاً بالتعرف على ضائقات أعمق. "كانت هناك أم أخبرتني أنها حاولت الانتحار. فقد تزوج زوجها بامرأة ثانية وتركها مع الأولاد ولم يترك لها مساندة مالية. حاولت مساعدتها من خلال أشخاص يعملون في الجمعيات. إذا كانت الأم تشعر بالراحة فإنها ستهتم بالطفل، لكن حين لا يكون الأمر كذلك، فإن اهتمامها بالطفل يكون أقل. العنف مسألة حساسة وإذا علمت بأن الأطفال يكتسبون العنف فإنني أقوم بالتبليغ عن الأمر".
التهديد بإغلاق المشروع يؤلمها على الصعيدين الشخصي والمهني. "إذا أغلقوا المشروع فسيكون هذا خسارة لكل هذا الوقت الذي عملنا فيه ولكل المعلومات التي اكتسبناها. حين يتوجهن النساء إلي بالأسئلة فإنني مثل الكتالوج وأعرف أين أوجه كل أم، وإن أغلقوا المشروع فإنني لا أتخيل نفسي في عمل آخر. لقد اعتدت على السكان والأشخاص واعتدت على مكاني هذا. يصعب علي الآن بعد 13 سنة البحث عن عمل آخر. ستكون هناك فجوة كبيرة بين الفريق الطبي والعائلات في حال تم إغلاق المشروع. من الناحية المالية يمكن العثور على عمل آخر، لكن المسألة هي العائلات التي ستخسر الجهاز".
"نحن لا نستبدل الممرضات والأطباء، إنما نشكل تكملة لهم"
على مبعدة سفر قصير من هناك، في مركز رعاية الطفولة في مدينة رهط، تعمل سحر أبو عرعر (35 سنة)، من سكان قرية لهافيم، ومتزوجة وأم لطفلين. سحر أبو عرعر تحمل لقب أول في التربية والمجتمع ودخلت إلى الوظيفة قبل سنتين من خلال صديقة تعمل وسيطة أخبرتها أن هناك وظيفة وسيطة شاغرة في رهط. "الوساطة هي وظيفة تربوية"، هكذا شرحت سحر ارتباطها بالعمل. "أحببت كثيراً إرشاد النساء اللاتي يأتين إلى مركز رعاية الطفولة. رغبت بلقائهن وإعطائهن دفعة إلى الأمام في الحياة".
سحر أبو عرعر تتحدث بالتفصيل عن حجم الإرشادات اليومية التي تقدمها: "نحن نقدم إرشاد بخصوص حفاظات الأطفال وعن الضربات الشمسية والصيف والتطعيمات وإرشادات بشأن الصوت والفيتامينات والموت السريري ومرافقة المرأة الحامل- ماذا عليها أن تفعل وأي فيتامينات تأخذ وأي غذاء مفضل للأم وللطفل".
أحد المجالات الأكثر حساسية التي ترافقها سحر في عملها هو مجال اليأس بعد الولادة- وهو موضوع لا زال يُعتبر مكبوتاً في أجزاء من المجتمع البدوي. "أرى العيون والوجه، وتعود إلي امرأة أخرى. إنهن يدخلن إلي ويبدأن بالبكاء على الفور وأنا أعرف كيف أتعامل مع هذه الحالات. في الخارج، في قاعة الانتظار أنظر وأرى التعب والأولاد، وهي لن تصارحني بكل شيء لأن الإرشاد جماعي، ومن ثم تناديني الممرضة وفجأة تبدأ المرأة بالبكاء".
سحر أبو عرعر تتجاوب بالحساسية اللازمة مع الوضع الحرج. "أنا أترجم، أغلق الباب وآخذ المرأة بعد أن تنتهي زيارتها لدى الممرضة، وأسألها أسئلة مختلفة، وأقرأها من الداخل وهي تبوح بما يمكن البوح به من داخلها. المجتمع البدوي لا يتحدث كثيراً عن هذا الموضوع. الزوج لا يرغب أن يحدث هذا لزوجته وكذلك الأمهات. وهناك من لا يرغبن بأن يعرف الزوج عن الأمر وهناك أزواج يستخفون بالأمر ويعتبرونه حالة عابرة. أنا أقوم بشرح الظاهرة للمرأة وأفضل أن أقدم الإرشاد بحضور الزوج، وأقوم بدعوته لكي يسمع. من المهم أن لا يقوم فقط بالانتظار في الخارج".
اللقاءات في أروقة مركز رعاية الطفولة تجمع سحر أبو عرعر بواقع حية الفقر المدقع المعقد وانعدام القدرة على الوصول. " أتحدث مع إحدى الممرضات في الساعة 13:00 حين لا يكون هناك استقبال للنساء وأنظر من الشباك وأرى أم صغيرة تحمل طفلاً. سألتها في الرواق إذا كانت قد حجزت لنفسها دور، وسألتها من تكون بالنسبة للطفل فقالت "إنه ابني". استدعتها الممرضة. قالت إن الطفل لم ينم منذ ثلاثة أيام وبطنه متصلب، إنه ابن 4 شهور وقد بدأت الصعوبات، وهي لا تعرف ماذا تفعل وكيف تطعمه. اعتقدت انه أخوها. كان علي أن أشرح لها أيضاً كيف تحضر قنينة الرضاعة. استقبلتها الممرضة حتى بدون حجز دور. ووظيفتي هناك كانت ترجمة اللغة".
وفي حالة أخرى حدثت قبل حوالي الشهر قدمت إلى المركز أم ومعها طفل وزنه متوقف ولا يزيد. لم تفهم الممرضة ما السبب. "حين جلست مع الأم على انفراد وسألتها بعض الأسئلة قالت لي: "أضع ملعقة واحدة على 180 ملليتر بدل 3 ملاعق. أريد أن تكفيني علبة الحليب". إنه الفقر. الكثير من الحالات مرتبطة بأوضاع مالية. لقد تحولت إلى أخصائية للعمل الاجتماعي والتأمين الوطني، ما ينقصني هو الختم الرسمي".
"النية لإغلاق البرنامج هي أمر محزن"، هذا ما قالته سحر أبو عرعر بحزن. "إنه أمر خطير بالنسبة للمجتمع البدوي. نحن نكتشف حالات سيئة للغاية في مركز رعاية الطفولة وبالتأكيد سيكون الأمر أسوأ بكثير في غياب الوسيطات. حضورهن مهم للغاية. صحيح أن هناك ممرضة يمكنها الإجابة عن الأسئلة، لكنن نحن المكملات. قد يكون هذا التكميل ليس بالمر الحاسم من حيث الكمية، لكنه حاسم بالتأكيد من حيث النوعية".
سحر أبو عرعر ووداد دباري سافرن هذا السبوع من النقب إلى الكنيست للنضال من أجل مستقبل البرنامج، ويرجعن كل سنة إلى نقطة القلق الوجودي ذاتها. "في المجتمع البدوي هناك تحديات فريدة من نوعها"، هذا ما قالته وداد دباري، "هناك أسر يبدأ فيها الزواج والأمومة في سن مبكرة، وهناك آباء وأمهات لم يكملوا دراستهم ويستصعبون القراءة باللغة العبرية، وأحياناً هناك فجوة انعدام الثقة أمام مختلف المؤسسات. وفي هذا الواقع لا يكفي أن تكون المعلومات صحيحة، إنما يجب أن تكون متوفرة وبمتناول الجميع على أساس من الثقة. نحن لا نستبدل الممرضات والأطباء- نحن نقوم باستكمال عملهم".