
"من أقوى الصور التي شعرت بها في العمل على الفيلم هي صورة الأم الأرض، فكل الدماء التي يتم سفكها، الأرض هي من تمتصها وتعالجها"، هكذا تصف ربيكا إزميرالدا – تلحمي مشاعرها عند تجسيد شخصية أمل في فيلم الذي يتم تصنيفه على أنه "دراما واقعية"، والذي سوف يتم عرضه لأول مرة في مهرجان السينما في مدينة القدس في يوم الأحد القريب.
يتمحور الفيلم حول قصة عائلة أمل، حيث لقي شقيق زوجها مصرعه في نزاع بين عائلات (حمائل)، وتجر جريمة القتل هذه الزوج وولديها إلى دوامة من العنف. ويؤثر الأمر على وجه الخصوص على ابنها سامر، الذي يتم إرساله إلى الحبس المنزلي لدى العائلة اليهودية التي تشغّل أمل وزوجها. تحاول أمل أن تصل إلى صلحة مع العائلة المنافسة، تتجول في القرية وهي ترفع راية بيضاء وتتعرض إلى التهديدات في أعقاب محاولاتها.
تستند القصة إلى التجربة الشخصية لكاتبة السيناريو، شرون إيال – أزولاي، التي كانت تملك عائلتها وحدات سكنية (أكواخ سياحية)، وكان يعمل لديهم عمال من عائلة كانت في نزاع مع عائلة أخرى. نشأت شراكة خاصة بين عائلتها والعمال، ومثلما يحدث في الفيلم، قاموا بإيواء شباب الذين كانوا في الحبس المنزلي لديهم.
كما دخلت أيضًا السيرة الذاتية للمخرج نهد بشير، الذي أخرج الفيلم سوية مع دافيد أوفك، إلى السيناريو. فقد لقي والده مصرعه قبل أسبوع واحد من ولادته، وكافحت والدته في تربيته مع الجد. عاش حياته كلها وهو محاط بفكرة الثأر. يقول دافيد أوفك : "لقد عاش الأمور بعمق شديد". وأضاف دافيد أوفك قائلًا : "وعندما دخل إلى مرحلة السيناريو قام بتغيير وتعديل الكثير من المشاهد بدقة. على سبيل المثال، مشهد رفع أمل للراية البيضاء، على الرغم من عدم وجود صلح بعد. هذا مشهد الذي دخل إلى السيناريو من واقع سيرته الذاتية ".
لماذا اخترتم، في الفترة التي كثرت فيها أعمال العنف في المجتمع العربي، أن تنشئوا دراما روائية وليس فيلمًا وثائقيًا؟
دافيد أوفك : "معظم الأماكن التي يمكننا أن نتطرق إليها في داخل المساحة الوثائقية تكون بأثر رجعي. فبعد أن يفقد الناس كل شيء وليس لديهم ما يخسرونه، يمكنهم أن يجروا مقابلة، إذا لم يشعروا بالخوف. نحن اخترنا لحظة محددة جدًا في الزمن، عندما تختار الأم أن تنقذ ابنها وتخبئ السلاح. هذه تحركات لا يمكن أن يتم تقديمها في الوثائقي، حيث لا تزال الشخصية نفسها تكافح. الكاميرا لا يمكنها أن تحميها أو تقدم المساعدة لها، وهذا هو المكان الذي تلجأ فيه إلى القصة السردية. أنا أشعر في النهاية أن هذا فيلم مأساوي، له بنية تشبه أوديب، نبوءة التي تم تحديدها على ما يبدو بشكل مسبق، شخصية التي تحاول محاربة قدرها بشكل مأساوي جدًا".
"أنا أحب جدًا أن الفيلم يتحدث بهدوء"
وُلدت ربيكا إزميرالدا – تلحمي التي تبلغ من العمر (38 عامًا) وتعيش في عسفيا. تعمل في التمثيل منذ سن الـ 22 عامًا، وشاركت هذا العام في مسلسل "كل الأمهات يكذبن" على قناة كان 11. تقول ربيكا إزميرالدا – تلحمي : "توجد هناك شخصيات التي أشعر بها بمجرد حصولي على نص الأداء (الأوديشن)، وأمل هي شخصية واحدة منها". وأضافت ربيكا إزميرالدا – تلحمي قائلة : "بعد أن قرأت السيناريو شعرت بها أكثر. كان من الممتع جدًا بالنسبة لي أن أمثّل هذه الشخصية بكل طبقاتها. كان الأمر نابعًا من داخل الإحساس وليس من داخل العقل. ليس من خلال فهم خارجي بل من خلال شيء داخلي".
بعض المشاهد، تقول ربيكا إزميرالدا – تلحمي، أثرت فيها كثيرًا. وتابعت ربيكا إزميرالدا – تلحمي قائلة : "حتى المشاهد التي ليست بشكل واضح عاطفية بشكل استثنائي، فلنقل المشهد في المقبرة (عندما تذهب أمل مع ابنها إلى المقبرة)، فجأة وجدت نفسي بين اللقطات (تيكات)، لم أتوقف عن البكاء، كان يجب عليّ أن أمسك نفسي. يوجد هناك شيء في هذه الشخصية جذبني. حتى بعد المشهد الأخير استغرقت وقتًا لكي أهدأ. بشكل عام، شخصية أمل، التي لا تنشغل بتوجيه الاتهامات بل تقول : ' تعالوا نرى كيف نوقف العنف'. لم يعد الأمر في الواقع مسألة انتقام. كل ما أرادته هو أن توقف دائرة العنف، وهي تقول : 'كفى، يجب على شخص ما أن يضع حدًا، كفى، خلص، لا نستمر. الناس منشغلون إلى حد كبير في الانتقام، لا يوجد أي شخص شجاع الذي ينهض ويقول كفى ، كان يجب أن تكون هناك سيدة ترفع الراية البيضاء إلا أنها لم تنجح".
على الرغم من أن الفيلم يتناول العنف، إلا أنه ليس فيلم حركة (أكشن). تقول ربيكا إزميرالدا – تلحمي : "كل شيء بهدوء ومن الداخل، هذا ليس ظاهرًا في الخارج". وواصلت ربيكا إزميرالدا – تلحمي قائلة : "والجميل في أي عمل فني أنه خاضع إلى التأويل ، ربما قد يأخذني هذا إلى أماكن معينة، ربما قد يأخذ الآخرين إلى أماكن أخرى. بالنسبة لي، هذا يأخذني إلى مكان إسكات الآراء. نحن نعيش في مكان لا يُعد فيه الشعور أمرًا بديهيًا ومفهومًا ضمنًا، أن نرى الألم، أن نرى ما يفعله بنا من الداخل. أحب جداً أن الفيلم يتحدث بهدوء، يوجد هناك شيء في حضور الهدوء الذي أقدره جدًا في الحياة اليومية أيضًا. أنا أعتقد أن الفيلم كله مبني على هذا اللطف، على أشياء ليست ظاهرة في الخارج".
"إظهار انعكاس العنف من أجل خلق رعب"
دافيد أوفك، مخرج وكاتب سيناريو مخضرم وحائز على الكثير من الجوائز، تعاون هذه المرة مع نهد بشير، ممثل ومخرج درزي. يقول دافيد أوفك : "الإخراج المشترك كان تجربة قوية جدًا". وأضاف دافيد أوفك قائلًا : "كان بيننا تقسيم أدوار : كنت أقف أنا إلى جانب المصور، وهو إلى جانب الشاشة (المونيتور). الكثير من الحوارات التي تتعلق باللغة العربية، بسبب لهجات معينة – على سبيل المثال شخص من يافا الذي يجب عليه أن يتحدث مثل شخص من الشمال، كانت هذه مسؤوليته ، بينما عملت أنا مع المصور. كان هناك نوع من تقسيم المجالات، مع حق كل واحد في أن يقدم ملاحظات على عمل الآخر".
على الرغم من أن الفيلم يتناول دائرة العنف، إلا أنه لا يظهرها إلا بالتلميح. إلا أن الشعور برعب من العنف الذي يقترب محسوس فيه بشكل قوي. يوضح دافيد أوفك أن الحديث يدور عن قرار واعٍ. ومضى دافيد أوفك قائلًا : "يوجد هناك قرار ما بأن العنف في الفيلم غير حاضر تقريبًا، حتى البطلة لا يمكنها أن ترى الجانب العنيف لدى سامر، فهو ابنها، وهو طفل جيد، وهي ترفض أن ترى، هذا هو عماها المأساوي. الفيلم لا يُظهر أعمال العنف، بل نح نرى نتائجها. أقرب لحظة يصل إليها الفيلم هي إطلاق النار على البيت، وبالطبع الجثة في النهاية، إلا أننا لا نعرف حتى بشكل يقين من أطلق النار. حقيقة أننا نُظهر انعكاس العنف، هي ما يخلق الهدوء والقوة، وهي ما يخلق الرعب".
من وجهة نظر دافيد أوفك، فإن الفيلم، الذي يشارك في مسابقة حجاج للسينما الإسرائيلية الروائية، يطرح أسئلة التي يجب أن تُشغل المجتمع الإسرائيلي، من حيث مدى العمق الذي نسمح فيه للعنف بالوصول إليه، أسئلة حول الانتقام والقتل الجماعي، وكيف يؤثر ذلك على المجتمع. على حد أقوال دافيد أوفك : "يوجد هناك السؤال الذي نطرحه نحن كإسرائيليين : متى يجب أن يكون الرد على العنف أكبر، متى يجب أن نتغاضى بحد معقول، هل الهدوء يجر هدوءًا، وهي جملة قيلت بشكل فعلي في الفيلم – هل هذا صحيح؟ هل الانتقام هو مجرد حاجة نفسية أم أنه يوجد له معنى آخر؟ هذه أسئلة تطرحها إسرائيل أيضًا بعد 7 من شهر تشرين الأول / أكتوبر، أو يجب عليها أن تطرحها، على نفسها".
واختتم دافيد اوفك حديثه قائلًا : "حقيقة أننا في فيلم روائي تتيح الفرصة إلى نقل هذا الموضوع إلى مكان أكثر تبسيطًا. إذا ما نظرنا بشكل أوسع، فإن أسئلة الانتقام والقتل الجماعي للطرف الآخر، هي ليست شيئًا نحن بريئون منه، يوجد هناك أشخاص الذين يبررونه، والفيلم يمنح ذلك مكانًا، فهم لا يمكنهم أن يفهموا بطريقة أخرى، لا يمكنهم أن يهينونا من دون رد فعل يتجاوز الحدود. هذا هو الثمن الذي ندفعه. أنا لا أعتقد أن المجتمع الإسرائيلي بريء من ذلك. فيبعض الأحيان يكون من الأسهل علينا أن نرى الأمور من خلال مجتمع آخر".
***
فيلم أمل
إخراج : دافيد أوفك، نهد بشير؛ سيناريو : شرون إيال – أزولاي؛ تمثيل : ربيكا إزميرالدا – تلحمي، أمجد شوا، جميل خوري، هشام سليمان، يونا روزنكيار، بار سديه، عنبار سبان.
الفيلم في موقع المهرجان