
في مركز الحصانة النفسية والمجتمعية (مركز حوسن الجماهيري) في وادي عارة ، يحاولون أن يوقفوا النزيف المستمر بلا توقف في المجتمع العربي. ديمة خليفة، أخصائية نفسية، متزوجة وأم لطفلين، مديرة المركز، تشعر بلحمها ودمها بشعور الإلحاح في الواقع منذ يومها الأول في المنصب. تقول ديمة خليفة : "دخلت إلى المنصب في تاريخ – 1 من شهر أيلول / سبتمبر من عام 2025 في الوقت الذي لم يتم فيه افتتاح المركز بعد. في تمام الساعة التاسعة صباحًا رن جرس الهاتف – مكالمة من البلديّة التي تدعوني إلى التدخل في حالة عنف. لم يتسن لي حتى إكمال تعبئة استمارة 101 (بطاقة عامل أو موظف – ينيف شرون)".
إن هذا الشعور، على حد قولها يسود في المجتمع العربي كله. توضح ديمة خليفة قائلة : "ليس لدينا وقت حتى للحداد على كل ما يجري. كل شيء يجري بسرعة كبيرة". وأضافت ديمة خليفة قائلة : "ليس لدي أفضلية كعربية أن أقوم بالحداد على ما يجرى لي. لقد تحولنا قليلًا إلى رجل آلي (روبوتات)، أنا أعترف بذلك، نحن نقوم بعدّ الأشخاص الذين يلقون مصرعهم ونمضي قدمًا. هذا شيء مؤلم. أنت تصل إلى هذا المستوى الذي يجعلك أقل غضبًا. لقد اعتدنا على ذلك، وهذا أمر صعب جدًا. إن هذا الأمر يأخذ منك الإنسانية".
مرافقة نفسية وعاطفية
تمت إقامة مركز الحصانة النفسية والمجتمعية (مركز حوسن الجماهيري) في حي عين إبراهيم في مدينة أم الفحم من خلال التعاون بين بلدية أم الفحم، وقسم العمل المجتمعي في وزارة الرفاه الاجتماعي والضمان الاجتماعي ووزارة المساواة الاجتماعية. وهو مركز لوائي الذي يخدم البلدات العربية في وادي عارة إلى الشمال حتى جسر الزرقاء. وتقول ديمة خليفة لموقع ‘دَفار‘ : "لقد كنا جزءًا من البرنامج الحكومي – الاجتماعي 'أوقفوا النزيف'، إلا أننا نعمل اليوم في إطار برنامج 'معِنا' ("ايتانو – معنا")". وأضافت ديمة خليفة قائلة : "لقد أخذنا نموذجًا الذي يعمل في مدينة رهط وفي مستشفى سوروكا".
وفقاً للنموذج، فإن المستشفى يقوم بإبلاغ قسم الرفاه عندما يصل مصاب في حادثة إطلاق نار أو حادثة طعن إلى غرفة الطوارئ. يتواصل قسم الرفاه مع المركز الذي يقدم مجموعة علاجية للمصاب ولعائلته. وتؤكد ديمة خليفة أن التجسير والوساطة والمساعدة الاقتصادية تقعان ضمن مسؤولية قسم الرفاه في البلدية، بينما يتولى المركز مسؤولية المرافقة النفسية والعاطفية.
جمعية الائتلاف الإسرائيلي للصدمة – وهي رابطة ومنظمة التي تتعامل مع الصدمات في إسرائيل ، تفعّل المركز الذي تكمن خصوصيته، على حد أقوال ديمة خليفة، في التخصص في علاج الصدمة على خلفية الإجرام. مع ذلك، تضيف ديمة خليفة، أنه بعد سقوط صاروخ إيراني في الزرازير خلال عملية ‘زئير الأسد‘، "تم استدعاؤنا من أجل تقديم المساعدة في علاج السكان".
قبل ساعات معدودة من إجراء المقابلة مع ديمة خليفة، أصيب رجل الذي يبلغ من العمر 50 عامًا بجروح خطيرة في حادثة إطلاق نار في مدينة أم الفحم. وخرج طاقم المركز إلى الميدان. في ساعات الظهيرة عاد الهدوء. وتوضح ديمة خليفة أن معظم الأشخاص الذين يتلقون العلاج يصلون في نهاية الأسبوع، وتؤكد على أن السبب في ذلك هو ليس الشعور بالعار من الوصمة. وتابعت ديمة خليفة قائلة : "الناس لا يصلون إلى العلاج بسبب انعدام إمكانية الوصول. يوجد هناك نقص في المعالجين الذين يتحدثون اللغة العربية، على وجه الخصوص المعالجين المتخصصين في الصدمات، ويوجد هناك نقص في الاستجابات المتاحة. أنا مسؤولة عن جسر الزرقاء، إلا أنها مسافة تستغرق 50 دقيقة سفر في السيارة. هذا الأمر يتطلب سيارة ووقتًا. الناس الذين هم في حاجة بشكل عام إلى هذا العلاج هم الأشخاص الذين يعانون من أزمات أعمق. نحن في حاجة إلى قوى نفسية من أجل الوصول إلى العلاج ".
يعمل المركز في ثلاث دوائر عمل : الحيز العلاجي الشخصي، تأهيل وتدريب المعالجين وبناء الحصانة النفسية والمجتمعية. حتى الآن، تمت إقامة طواقم طوارئ في الأحياء في بلدات زيمر، جت في المثلث وفي طلعة عارة. تقول ديمة خليفة : "لقد قمنا بتأهيلهم وتدريبهم من أجل تقديم المساعدة النفسية الأولية". وواصلت ديمة خليفة حديثها قائلة : "هم يشكلون حلقة الوصل أيضًا بين البلدات والسلطة نفسها".
خلال العام، تمت أيضًا إقامة مجموعات أمناء الحصانة النفسية والمجتمعية في أوساط النساء، أبناء الجيل الثالث (المسنين الكبار في السن) والشباب. واستطردت ديمة خليفة قائلة : "لقد أنشأنا في عرعرة مجموعة 'شباب على المايك'. علمناهم كيف يقفون أمام الكاميرا، كيف يكتبون المحتوى، كيف يصورون، كيف يحررون. في نهاية المطاف، أنشأوا مقطع فيديو وبودكاست حول ما يفكر فيه أبناء الشبيبة حول المستقبل بشكل عام، وحول مستقبلهم في ظل الإجرام في المجتمع".
وأردفت ديمة خليفة قائلة : "مع النساء، أقمنا ورشة تطريز (فن التطريز التقليدي الفلسطيني – ينيف شرون). وهي أداة للتهدئة الذاتية. هذا الأمر يجند الناس، وتوجد هناك رغبة. أنا أؤمن بأن غالبية المجتمع العربي هم أشخاص جيدون وطيبون الذين يرغبون في أن يعيشوا في سلام".
انعدام الأمن والأمان، انعدام الثقة وانعدام الأمل
لا تتجاهل ديمة خليفة حقيقة أن انعدام الأمن والأمان، انعدام الثقة وانعدام الأمل تتفشى في المجتمع العربي. ومضت ديمة خليفة تقول : "أنا أؤمن بشدة بمقولة جبران خليل جبران، 'أن تضيء شمعة خير لك من أن تلعن الظلام'. الناس يائسون جدًا ومرعوبون. أنا أسكن أيضًا في مدينة أم الفحم. نحن نسمع صوت إطلاق النار. الكثير من الناس يدركون أنه ليس هناك من يأتي وأن هذا الأمر لا يهم الدولة، فالمبادرة والعمل يجب أن يصدر منهم. إلا أنه مع كل الصعوبات يوجد هناك عمل أيضًا، وما زالت هناك قوى، يوجد هناك أشخاص مؤمنون ويوجد هناك أشخاص الذين يرغبون في فعل شيء".
تقول ديمة خليفة : "الشعور هو أنه لا يوجد لدي هناك من أستند إليه' (أعتمد عليه). هذا أيضًا شعور بالغربة، شعور بأننا وحدنا تمامًا. لقد تخلوا عنا. حتى القادة من المجتمع العربي لا ينجحون في فعل أي شيء. لا توجد لدي الوسائل من أجل أن أحل هذه المشكلة. يجب أن يحدث شيء من أعلى – لكن يجب على كل شخص أن ينظر إلى الداخل ، ماذا يمكنه أن يفعل مع هذا الأمر. من مكانه الصغير".
بين كافة نشاطات وفعاليات المركز، توجّه ديمة خليفة معظم جهودها إلى أبناء الشبيبة. وأضافت ديمة خليفة قائلة : "نحن نصل إلى المدرسة إلى صفوف الثامن وإلى صفوف التاسع. أنا أؤمن بأنهم هم أبناء الشبيبة في دائرة الخطر. في هذا الجيل هم ماضون إلى الضياع. أنا أعرف أن هذا الأمر لا يكفي، سبعة لقاءات مدة كل منها ساعة ونصف الساعة. لكن ربما هذا الأمر سوف يفعل شيئًا صغيرًا. حن في حاجة إلى أن تكون هناك استمرارية، وأن تحافظ المدرسة على ذلك الأمر أيضًا ، إلا أنني أرغب في أن ألمس الأطفال أولًا وقبل كل شيء. أنا أرغب في أن أُظهر لهم أنه توجد هناك طريق آخر، أننا مجتمع، وأن أعيد شعور الانتماء إلى المكان. أن أُظهر لهم أنهم قادرون على فعل أمور جيدة. أن نرعاهم، أن نمنحهم مغزى في الحياة".
تتساءل ديمة خليفة بصوت عالٍ أنه ربما يجب البدء أبكر من ذلك بكثير. وتابعت ديمة خليفة قائلة : "إذا كانوا يجنّدونهم للجريمة في أجيال 15 عامًا – 16 عامًا، ربما يجب البدء أصلًا بالعمل مع الأطفال في أجيال 10 سنوات – 11 سنة".
يعالج المركز أيضًا السجناء الذين يتم إطلاق سراحهم ، إلا أنه من وجهة نظر ديمة خليفة، لا يوجد هناك فرق بين الضحية وبين من يتسبب بوقوع الجريمة. وواصلت ديمة خليفة حديثها قائلة : "ما يهمّني أكثر هو ما يشعر به المعالج، لأن المعالجين يخافون أيضًا، ومن غير الممكن أن عرف إلى أين سوف يصل ذلك. في بعض الأحيان يختار الأشخاص الذين يتلقون العلاج المعالجين الجيدين وينتقمون منهم. هذا الأمر يخيفني أنا أيضًا".
"لا توجد هناك نماذج في العمل العلاجي التي تناسبنا"
مع ذلك، فإن سؤالين إثنين يتركانها حائرة بلا حول ولا قوة – كيف نقدم العلاج وكيف نرافق المعالجين. واستطردت ديمة خليفة تقول : "لا توجد هناك نماذج في العمل العلاجي التي تناسبنا كَمجتمع عربي الذي يعاني من الإجرام بشكل يومي . أنا لا أعتقد أنه يجب علينا أن نُحضر نماذج غربية وأن نقوم بملاءمتها. أنا أعتقد أنه يجب علينا أن نبني المعرفة من الأسفل إلى الأعلى (من القاعدة إلى القمة)، أن نقوم بتطوير نماذج تدخل التي تناسبنا". تدعي ديمة خليفة وتروي بإحباط وبخيبة أمل عن لقاء مع طفل الذي لقي أبوه واثنان من أعمامه مصرعهم قائلة : "لقي أبوه مصرعه، وكان هو الناجح في العائلة. بعد عامين لقي العم مصرعه، وقبل عام لقي العم الذي تبناه مصرعه. كيف تقدم العلاج لطفل كهذا؟ أنا لن أنساه أبدًا، طفل رائع وعبقري. كان يحمل في داخله غضبًا عظيمًا. لا يمكن لطفل أن يبقى مع كل هذا الغضب، ولا توجد لدي إجابات. أنا لا أعرف كيف نقدم العلاج. نحن كمجتمع، كأشخاص مهنيين، يجب علينا أن نبني وأن نطور المعرفة. هذه هي مسؤوليتنا".
تشعر ديمة خليفة بالإحباط وبخيبة الأمل أيضًا بسبب الواقع الاجتماعي المركب والمعقد الذي تصطدم به. تقول ديمة خليفة : "الكثير من الناس يرغبون في أن يغادروا، والذي يغادر هو تحديدًا وبالذات من يمتلك القوى ووضعه الاجتماعي – الاقتصادي جيد. الخطاب قائم أيضًا لدي في البيت"، تعترف ديمة خليفة وتضيف قائلة : "للأسف الشديد، بسبب كل هذا الخوف، تحولنا إلى أفراد أكثر (أكثر فردية). كل شخص يحتضن أطفاله. يوجد هناك تهديد، يوجد هناك خوف وانعدام ثقة. يجب علينا أن نعزز المجتمع، وأن نتعرف أكثر على بعضنا البعض. إذا اعترفنا بأن هذه صدمة جماعية مشتركة تخصنا جميعًا وتعلّمنا أن نعمل معًا، فهذه هي الخطوة الأولى".
تستذكر ديمة خليفة أيام طفولتها قائلة : "في السابق كان الناس يدخلون بشكل حر إلى بيوت بعضهم البعض من أجل الزيارة ومن أجل شرب القهوة. إذا فعلت ذلك كجارة ، ربما لا أغضب بعد ذلك كثيرًا من الذي أخذ موقف سيارتي ولن يتطور ذلك الأمر إلى عنف. تعالوا بنا نتعرف بعضنا على بعض ونلتقي. أولاً وقبل كل شيء ان نلتقي، أن نستمتع معًا وبعد ذلك نتحدث عن الوضع".
وواصلت ديمة خليفة حديثها قائلة : "عندما كنت صغيرة، كان الشخص الكبير في السن الذي يحترمه الجميع في العائلة هو الذي يفضّ الشجارات بين الأطفال. اليوم هذا غير موجود. أنا أعتقد أن هذا أيضًا جزء من المشكلة ، أنه لا يوجد شخص الذي يوقف هذه الأمور الصغيرة".
إلا أن الأوقات تغيرت والمجتمع تغير أيضًا. دخلت التكنولوجيا ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي إلى الحياة حتى في المجتمعات الأكثر تقوقعًا (مجتمعات مجتمعية). مع ذلك، تُصر ديمة خليفة قائلة : "نحن لا يمكننا أن نفقد هذا التقوقع (هذه المجتمعية). شعور الانتماء والثقة بالناس وشعور القدرة على 'أنني قادر على أن أفعل أشياء‘، له جزء هام ومركزي ورئيسي جدًا في منع الانزلاق. الأشرار سوف يبقون حتى بعد أن نقوم بحل المشكلة، إلا أن التناسب سوف يتغير"
ضوء الشمس يغمر المكتب الصغير. من خلال النافذة من الممكن أن نرى مدينة أم الفحم كلها. واختتمت ديمة خليفة حديثها قائلة : "أنا أؤمن بأنه حتى من مكاني الصغير جدًا يمكنني أن أؤثر. لكل فرد يوجد دور حتى لو كان صغيرًا – حتى لو أثر على شخص واحد فقط، فهذا يكفي ".