
في الجزء الجنوبي من مدينة حيفا، على خط المياه، يقع بيت عائلة عطا الله. البيت مكتظ، ممتلئ عن آخره بأعمال الفخار، بالتماثيل المصنوعة من الباطون، بالأدوات التاريخية، وبالذكريات العائلية. يتم فيه تنظيم ورشات عمل للكراميكا، إلا أنه يبدو مختلفًا تمامًا عن النمط العصري للمعارض والصالات والاستوديوهات المعاصرة التي أصبحت شائعة.
بين الرفوف المكتظة، والجِرار الخاصة، والترموسات (السخانات)، يجلس رجا عطا الله. سوف يحتفل في هذا الشهر بعيد ميلاده الـ – 81. نظرته دافئة ومركزة؛ فهو يتنقل بين ذكريات من ماضيه الغني وماضي عائلته، وبين رغبته في نقل المعرفة التي اكتسبها.
يقول رجا عطا الله : "أنا لا أريد قرشًا واحدًا، بل كل ما أريده هو أن يربح الجميع" ، هكذا يقول بينما يقودني بين الرفوف ويعرض الأدوات التي يرفض أن يبيعها في الوقت الحالي. وأضاف رجا عطا الله قائلًا : "نحن نعمل في صناعة الفخار والخزف منذ 400 عام. بدلًا من أن تذهب أسرار العائلة وعمل الفخار والخزف معي إلى القبر، أنا أرغب في أن يربح جميع الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف في البلاد من ذلك".
ويشير إلى أنه يجري التخطيط لإنتاج فيلم ومعرض ، سوف يعرضان العائلة والحرفة . وتابع رجا عطا الله قائلًا : "جميع الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف الموجودون في المجال منذ 30 عامًا، أو 40 عامًا، أو 50 عامًا – هم ليسوا فخارين (أشخاص الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف) حقيقيين. طرقهم تبدأ من – حرفي الحاء و – الطاء، وليس من – حرفي الألف و – الباء. أنا أريد أن أُظهِر في الفيلم وفي المعرض كيف تتم صناعة الأشياء العظيمة ، النماذج المعقدة والجديدة. من أجل أن يرى الجميع ويتعلموا ما هي صناعة الفخار والخوف الحقيقية".
"كان لدينا الطين والرمل مجانًا"
يتشابك التاريخ العائلي لرجا عطا الله مع حرفة الطين والفخار والخزف لأجيال عديدة مضت. يروي رجا عطا الله حول ذلك قائلًا : "قبل 400 عام، كان كل شيء مصنوعًا من الطين ومن الفخار". وواصل رجا عطا الله حديثه قائلًا : "أواني شرب الماء، القدور (الطناجر)، الصحون، الجِرار لتخزين النبيذ والزيت. طلبت لبنان فخارين (الأشخاص الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف) من اليونان، ووافق أجدادنا وانتقلوا إلى لبنان. وفي عام 1860 اندلعت حرب في لبنان فهرب المسيحيون إلى مدينة حيفا. ومنذ ذلك الحين ونحن حيفاويون".
إلى جانب الارتباط بمدينة حيفا ، يربطه تاريخ عائلته أيضًا بمدينة عكا، من خلال عائلة فاخوري – عائلة جدته من جهة والده. وأردف رجا عطا الله قائلًا : "جميع الفخارين (الأشخاص الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف) التاريخيين في مدينة عكا، من أبناء عائلة فاخوري، هم أقاربنا وأعمامنا. حتى حرب الأيام الستة، كان هناك فخارون (الأشخاص الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف) نشطون ، وكانت العلاقة مع مدينة عكا ومع جذور الحرفة هناك جزءًا لا يتجزأ منا".
في عام – 1924 استقرت العائلة الحيفاوية في النقطة التي تعيش فيها اليوم بالضبط. وقد اختار والد رجا عطا الله الموقع، لاعتبارات مهنية. يقول رجا عطا الله : " فحص والدي الأرض من تحت الرمل، ورأى أنها ملائمة بشكل تام لصناعة الفخار والخزف. أخذنا الطين من هنا، وأضفنا إليه من 20 % حتى 25 % من الرمل النقي من البحر – هكذا أصبح لدينا الطين والرمل مجانًا. اشترى والدي الموقع، ومنذ ذلك الحين ونحن هنا".
الظل ومياه البئر
على حد أقواله، تبين أن موقع البيت كان هامًا من ناحية تاريخية ومن ناحية جغرافية. يقول رجا عطا الله : "كل من أراد أن يتنقل بين مدينة عكا، مدينة حيفا، مدينة يافا ومدينة القدس – كان مجبرًا على أن يمر بجانب بيتنا مباشرة". وأردف رجا عطا الله قائلًا : "لم يكن هناك شارع آخر في تلك الأيام. كان لدينا هنا خان للخيول والجمال، مع بئرين من المياه العذبة. كان المارة يتوقفون من أجل أخذ الماء، إرواء حيوانات وبهائم الحمل، للاستراحة أو للمبيت في الليل، ومن ثم مواصلة الطريق. لم يكن يتم اختصار السفر بين شمال البلاد وجنوبها بثلاث ساعات كما هو الحال اليوم، وكانت محطتنا هي محطة إجبارية".
ولا يزال هناك شعار للخان معروض في المكان حتى يومنا هذا. واستطرد رجا عطا الله قائلًا : "دائمًا كان هناك فحم مشتعل، أباريق مع شاي وقهوة جاهزة لكل من يدخل. لهذا السبب، بجانب صور والدي ووالدتي المعلقة على الجدار، أنا أضع دائمًا إبريقين – هذا تذكير بالبيت المفتوح الذي قاما بإدارته".
يحافظ رجا عطا الله على عادة الضيافة. فعند الدخول إلى منطقة البيت يتم دائمًا وضع إبريق شاي ساخن وكؤوس التي تنتظر كل شخص يصل. يقوم رجا عطا الله بسكب شاي الأعشاب العطري، الذي تأتيه الأعشاب من أصدقاء دروز من دالية الكرمل ومن عسفيا، ويوضح رجا عطا الله أن البيت مفتوح للجميع. ومضى رجا عطا الله قائلًا : "يوجد لدي أصدقاء دروز، مسلمون، من جميع الطوائف. نحن مع كل العالم، نحن متكاملون".
البحر في الدم
على مدار سنوات طويلة ازدهرت العائلة من ناحية اقتصادية بفضل صناعة الفخار والخزف. يتذكر رجا عطا الله قائلًا : "جنينا المال في تلك الفترة". وأضاف رجا عطا الله قائلًا : "كنا الوحيدين الذين يبيعون أدوات التخزين والشرب. لم تكن هناك ثلاجات في البلاد، لذا كانت جرارنا وقلالنا هي ثلاجات البيوت".
ومن ثم جاء عام 1967. حرب الأيام الستة وفتح الأسواق غيرا وجه هذا القطاع من العمل . يقول رجا عطا الله : "منذ عام – 1967 توقف كل شيء". وأضاف رجا عطا الله قائلًا : "بدأوا بجلب بضائع من الفخار والخزف من قطاع غزة ومن الضفة الغربية بأثمان بخسة (بقروش). الأداة التي كانت تُباع في السابق بسعر محترم أصبحت تُباع بربع قرش. لم يعد في الإمكان كسب لقمة العيش من ذلك. توقف الفخارون (الأشخاص الذين يمتهنون مهنة الفخار والخزف) في مدينة حيفا وفي مدينة عكا عن العمل وانتقلوا للبحث عن لقمة العيش في أماكن أخرى – في شركة 'نعمان' أو في أعمال أخرى. كان يجب على الناس أن يعيشوا".
الضرورة والحاجة الاقتصادية أدت أيضًا إلى انتقال جيلي نحو البحر. على الرغم من أن رجا عطا الله حرص على تعليم أطفاله أساسيات مهنة الفخار والخزف في نهاية يوم العمل، من أجل أن يحافظ على التقاليد العائلية، إلا أنهم بدأوا في كسب لقمة عيشهم ورزقهم كمنقذين في شواطئ مدينة حيفا. ويروي رجا عطا الله أن وجود أفراد العائلة على الشاطئ ساعد في كثير من الأحيان على إنقاذ أشخاص من الغرق، بل وتجاوز الدور الرسمي – فقد تواجدوا على الشواطئ حتى في السنوات التي لم تتوفر فيها خدمات إنقاذ منظمة على الشاطئ، وفي ساعات الصباح الباكر أيضًا، أو بعد إغلاق محطات الإنقاذ.
البحر هو جزء من هوية رجا عطا الله. يروي رجا عطا الله قائلًا : "منذ سن الـ – 13 وأنا صياد أسماك". وتابع رجا عطا الله قائلًا : "هذا في دمي، إلا أنني طوال حياتي لم أقم ببيع سمكة واحدة، بل كنت أكلها وأوزعها على الأصدقاء. الصيد بالنسبة لي ليس تجارة – بل هو هواية. ذات مرة كانوا يلقبونني بـ 'إلفيس البحر'. اليوم أصبح 'إلفيس ألتيه زاخن' (العجوز – القديم)".
وجد الارتباط بالبحر تعبيرًا عنه أيضًا في إبداعه الفني. في ساحة البيت توجد توجد تماثيل التي نحتها من الأسمنت ومن الصخور – حيث سحق القرميد القديم إلى مسحوق، دمجه مع رمل البحر وصمم شخصيات. ومضى رجا عطا الله يقول : "كل صباح في تمام الساعة الخامسة صباحًا أُجلس لشرب الشاي مع صديقي – البحر. أنا لا أستطيع أن أعيش من دون سباحة، تمامًا كما أنني لا أستطيع أن أعيش من دون صيد الأسماك، وكما أنني لا أستطيع أن أعيش من دون صناعة الفخار والخزف".
فكرة ليلية
פفي العقد التاسع من عمره، يواصل رجا عطا الله في الإبداع وفي التخطيط قدمً إلى الأمام. وهو يعمل إلى جانب شقيقه، بولس عطا الله، وبالتعاون مع شقيق آخر، منير، الذي درس في الماضي طلاء الكراميكا (الجلازورة / الطلاء الزجاجي) في هولندا. يفصل رجا عطا الله الطرق التي ينتج بها أدوات مختلفة ويفتخر بمميزاتها. ولا يزال الإلهام يرافقه حتى اليوم. وأنهى رجا عطا الله حديثه قائلًا : "حتى في الليل، عندما أكون مستلقيًا في السرير، تراودني في بعض الأحيان فجأة فكرة حول نموذج جديد، حينها أنهض وأذهب لتنفيذها بالطين".