
موجة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي تستوجب تطبيقًا وإنفاذًا حازمًا للقانون، وتحركًا صارمًا ضد منظمات الجريمة. هذه خطوات لا غنى عنها، ولا خلاف على مسؤولية الدولة في ضمان الأمن الشخصي لجميع مواطنيها. لكن إذا كان الهدف هو الحد من حجم العنف على المدى الطويل، فإن إنفاذ القانون وحده لا يكفي. فلا بد أن تترافق مكافحة منظمات الجريمة مع سياسة توسّع الفرص، وتعزّز الأمل، وتفتح أمام الناس مسارات حياة بديلة، وفي مقدمتها توفير فرص عمل نوعية.
مكان العمل الجيد ليس مجرد مصدر لكسب الرزق، بل يمنح الاستقرار، المسؤولية، الإطار الواضح، الأفق والشعور بالانتماء. كما يعزّز ارتباط الفرد بالأطر المجتمعية السليمة، ويرفع كلفة الانحدار والتورط إلى عالم الجريمة على المستوى الشخصي، ويفتح مسارًا بديلًا يقوم على الانتماء، التقدّم والاستقرار. وبالنسبة إلى الشباب في المجتمع العربي، يشكّل ذلك بديلًا حقيقيًا لدوائر اليأس والعزلة والجريمة.
مصلحة اقتصادية بالغة الأهمية
الاستثمار في فرص العمل النوعية هو أيضًا مصلحة اقتصادية بالغة الأهمية. ففي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الإسرائيلي من نقص في القوى العاملة المؤهلة، يشكّل المجتمع العربي أحد محركات النمو المهمة في الاقتصاد الإسرائيلي. إن تقليص الفجوات في معدلات التشغيل والإنتاجية والأجور ليس هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل هو أيضًا محرك للنمو الاقتصادي. وتشير الدراسات إلى أن سدّ هذه الفجوات يمكن أن يضيف عشرات مليارات الشواقل إلى الاقتصاد الإسرائيلي على مرّ السنين. وكلما انخرط مزيد من الشباب والشابات في فرص عمل نوعية جيدة، ازدادت قوة المجتمعات التي يعيشون فيها، وتقلّصت البيئة التي تتيح لمنظمات الجريمة التوسّع.
عندما نتحدث عن التشغيل كجزء من مكافحة الجريمة المنظمة، فنحن لا نتحدث عن أي وظيفة، وإنما عن عمل نوعي يوفّر الاستقرار، إمكانية التقدّم، الشعور بالانتماء وآفاقًا مهنية واضحة. وقد أظهرت دراسة مشتركة أجرتها "كاف إمباكت" و"مركز أكورد" في الجامعة العبرية أن واحدًا من كل ثلاثة موظفين عرب في إسرائيل لا يشعر بأنه منتمي ومندمج في مكان عمله. ويشير هذا المعطى إلى أن الاندماج الحقيقي في سوق العمل لا يقتصر على الحصول على وظيفة، بل يتطلب أيضًا الشعور بالانتماء، ووجود فرص للتطور، وبيئة عمل تتيح للموظفين تحقيق إمكاناتهم على المدى الطويل. فالعمل النوعي لا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي تم توفيرها، وإنما أيضًا بقدرته على تمكين الناس من بناء مستقبل مستقر، الشعور بالانتماء، التقدّم والاستمرار في سوق العمل على المدى الطويل.
السؤال ليس ما إذا كان إنفاذ القانون مهمًا؛ فلا خلاف على أنه أمر ضروري. السؤال هو: هل سنكتفي بمعالجة النتائج، أم سنستثمر أيضًا في معالجة العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة من الأساس؟ لا أحد يقول إن التشغيل وحده سيحل مشكلة الجريمة، لكنه بالتأكيد يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل. والسياسة الوطنية الفعّالة يجب أن تجمع بين إنفاذ القانون بحزم، وتوسيع فرص العمل النوعي. إن بناء مجتمع عربي قوي، مندمج ومزدهر، ليس مصلحة للمجتمع العربي وحده، بل هو مصلحة اقتصادية واجتماعية وأمنية للدولة بأكملها.
شادي حدّاد هو المدير العام لـ" كاف إمباكت".