
تندمج النساء في المجتمع العربي بأعداد تتزايد بشكل مستمر في السنوات الأخيرة في التعليم العالي، وتبرز على وجه الخصوص في المهن الصحية وفي الدراسات العليا والألقاب المتقدمة. يشير بحث جديد أجرته د. نهاية عويضة إلى الفجوة القائمة بين الارتفاع المثير للإعجاب في أعداد الطالبات الجامعيات وبين الصعوبات التي ترافق مسيرتهن في المسارات المختلفة. فاللاتي يدرسن في مؤسسات في داخل إسرائيل يواجهن عوائق في القبول، صعوبات في اللغة وشعورًا بالاغتراب؛ أما أخريات، اللواتي يجدن صعوبة في القبول في داخل البلاد، فيخترن الدراسة في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس، حيث يواجهن في بعض الأحيان بالتشكيك وبالشعور بأنهن غريبات باعتبارهن قادمات من إسرائيل. حتى بعد التخرج والانتهاء من الدراسة، يشير البحث إلى وجود صعوبة في الاندماج في سوق العمل في إسرائيل – على وجه التحديد في المجالات التي يوجد فيها نقص في القوة العاملة.
يعكس هذا الاتجاه تغييرًا اجتماعيًا وجنسانيًا (جندري) هامًا. فبينما كان سوق العمل التقليدي في المجتمع العربي يعرض على النساء في الماضي وظائف تتركز على وجه الخصوص في مجال التدريس، تتجه المزيد من الشابات في السنوات الأخيرة نحو الدراسة الأكاديمية انطلاقًا من الرغبة في اكتساب مهنة، من الاندماج في سوق العمل وتحسين مكانتهن الاجتماعية والاقتصادية. في السنة الدراسية 2024 – 2025 ، شكلت النساء ما يقارب نسبة – 69 % من إجمالي الطلاب الجامعيين العرب للحصول على اللقب الأول (درجة البكالوريوس) وما يقارب نسبة – 75.5 % من الطلاب الجامعيين العرب للحصول على اللقب الثاني (درجة الماجستير). كما يبرز بشكل ملحوظ اتجاه نحو "تأنيث" المهن مثل طب الأسنان والصيدلة : ففي عام 2023، شكّلت النساء ما يقارب نسبة – 59 % من الحاصلين الجدد على رخص مزاولة مهنة طب الأسنان وما يقارب – 66 % في موضوع الصيدلة.
إلا أن هذه المعطيات تخفي من ورائها واقعًا أكثر تعقيدًا. فالبحث الذي نشرته د. نهاية عويضة لصالح معهد أدفاه يستند إلى 14 مقابلة متعمقة مع طالبات جامعيات في مواضيع الصيدلة، التمريض، التصوير الطبي، الطب والعلوم الطبية الحيوية، ويبحث الثمن الاقتصادي ، النفسي والسياسي الذي يرافق طريقهن. تقول د. نهاية عويضة : " بحثي هو حول الشابات، إلا أنه يعكس أيضًا الشباب… وقد انتبهت إلى أن الكثير من الشابات يبحثن عن بديل".
بين السعي والطموح إلى الاندماج وأسوار الحياة الأكاديمية في إسرائيل
يتمثل الطموح والسعي المركزي والرئيسي للطالبات الجامعيات، اللواتي ينحدر الكثير منهن من خلفية اجتماعية – اقتصادية ضعيفة ومن عائلات من دون تعليم أكاديمي، في اكتساب مهنة مستقرة ومطلوبة التي تتيح لهن أن يتقدمن من ناحية اجتماعية واقتصادية وأن يندمجن في سوق العمل. توضح د. نهاية عويضة أن الدراسة تُعدّ بالنسبة للكثير منهن، على وجه الخصوص في مجالات مثل الطب، أيضًا مسارًا للحراك الاجتماعي – الاقتصادي. وأضافت د. نهاية عويضة قائلة : "معظم أولئك الذين يدرسون موضوع الطب يرغبون في تحقيق الحراك الاجتماعي – الاقتصادي. إنهم يرغبون في الحصول على التعليم إلا أنهم يرغبن في العمل أيضًا – هم يعلمون أنه يوجد هناك نقص في عدد الأطباء". على حد أقوالها، فبينما يستطيع الرجال العرب في بعض الأحيان أن يندمجوا في سوق العمل حتى من دون شهادة ولقب أكاديمي، فإن التعليم الأكاديمي يمثل بالنسبة للكثير من النساء أداة مركزية لكسر السقف الزجاجي.
مع ذلك، فإن الطريق إلى المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل محفوفة بالعقبات في المنظومات التي تضع صعوبات في اندماجهن الكامل في الدولة : فمن جهة، توجد معيقات قبول شاقة : امتحان القبول الجامعي البسيخومتري، امتحانات المعرفة في اللغة العبرية وفي اللغة الإنجليزية (مثل معرفة اللغة العبرية للدراسة الأكاديمية "ياعيل" واللغة الإنجليزية تصنيف إلى مستويات محوسبة "أميرام")، وامتحانات التصنيف الشخصية تشكل مصفاة وغربالًا صعبًا وعائقًا كبيرًا أمام من يسعين ويطمحن إلى المساهمة في المنظومة. وإلى جانب ذلك تبرز تحديات أكاديمية واجتماعية : إذ تعيش الطالبات الجامعيات صعوبات في اللغة (الفجوة بين اللغة العبرية المحكية واللغة العبرية الأكاديمية)، العبء الدراسي، الشعور بالاغتراب تجاه طاقم التدريس أو الإدارة، وتجارب الغربة أو العنصرية المؤسساتية واللغوية من جانب المحاضرين والطلاب الجامعيين.
الثمن الباهظ للدراسة في مدينة نابلس
بسبب عوائق القبول في إسرائيل، تتوجه العديد من الشابات إلى الدراسة في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس التي تقع في السلطة الفلسطينية، وهي مؤسسة معترف بها من قبل السلطات في إسرائيل. بالنسبة لهن فإن الحديث يدور عن "التفاف براغماتي" : تستند شروط القبول إلى معدل شهادة الثانوية العامة البجروت فقط، من دون الحاجة إلى امتحان القبول الجامعي البسيخومتري، وتجري الدراسة باللغة الأم. إلا أنه إلى جانب الميزات، تشير المقابلات الواردة في البحث إلى ثمن اقتصادي واجتماعي باهظ وإلى شعور بالتهميش من كلا الجانبين.
الدراسة في الضفة الغربية باهظة التكاليف جدًا ويتم دفعها حسب الساعة بالدينار الأردني، بتكلفة تقدر بما يقارب – 15 ألف شيقل للفصل الواحد. على حد أقوال د. نهاية عويضة، فإن الكثير من الطالبات الجامعيات لا يتوجهن أصلًا بطلبات للحصول على منح دراسية، ويرجع ذلك من بين جملة الأمور إلى نقص الثقافة المالية وإلى تصور مفاده أن المنح الدراسية مخصصة فقط لمن هم موجودون في ضائقة اقتصادية. تقول د. نهاية عويضة : "كيف يعقل أن أطلب منحة دراسية إذا كان لديّ أهل. هذا يعني إما بسبب أو الاحتياج".
حتى من ناحية اجتماعية أيضًا، فإن الدراسة في مدينة نابلس لا تخلق بالضرورة شعورًا بالانتماء الكامل. وعلى الرغم من أن الطالبات الجامعيات يدرسن في حيز فلسطيني وباللغة الأم، فإنهن يحكين أنه في بعض الأحيان يتم النظر إليهن من قِبل المحليين على أنهن "إسرائيليات" أو حتى على أنهن "خائنات". ووفقاً لد. نهاية عويضة، فإنهن يعتمدن وضعاً أشبه بـ "معاً على حدة" ويمتنعن عن الانخراط في السياسة خشية من عواقب ذلك عليهن وعلى عائلاتهن.
من الدراسة إلى سوق العمل : الاغتراب الذي يستمر حتى بعد التخرج والحصول على اللقب الأكاديمي
أدت الحرب التي اندلعت منذ السابع من شهر تشرين الأول / أكتوبر، وفقًا للبحث، إلى تفاقم مشاعر الاغتراب والعداء التي تعيشها الطالبات الجامعيات في كلا الحيزين اللذين تدرسان فيهما. في إسرائيل، تم الإبلاغ عن ابتعاد الطلاب الجامعيين اليهود وعن حالات رفضوا فيها مشاركة الملخصات الدراسية معهن. في السلطة الفلسطينية، في مقابل ذلك، تصاعدت الشكوك والتوترات تجاه الطلاب الجامعيين المواطنين في إسرائيل، إلى جانب روتين طوارئ الذي جعل جداول مواعيد الامتحانات أيضًا صارمة وغير متوقعة.
على حد أقوال د. نهاية عويضة فإن هذه المشاعر لا تنتهي مع انتهاء الدراسة، بل ترافق الطالبات الخريجات أيضًا أثناء طموحهن وسعيهن إلى الاندماج في منظومة الصحة ومنظومة التربية والتعليم في إسرائيل. وهي تشير إلى حالة الغضب التي نتجت عن الخطاب العام الدائر حول الأطباء العرب والدراسة في مؤسسات في السلطة الفلسطينية. وتابعت د. نهاية عويضة قائلة : "يوجد هناك في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام خطاب إعلامي حول الأطباء العرب وحول مجرد وجودهم في المنظومة، وهو ما يخلق الكثير من الغضب. العائلات تستثمر كامل أموالها في الدراسة، من دون طلب منح دراسية، ويذهب الطلاب الجامعيون إلى الدراسة في مؤسسة معترف بها من قبل الدولة. وبعد ذلك يسمعون من يصفها بأنها ‘جامعة حماس‘ ويتساءلون عن سبب وجود أطباء عرب. بعد كل الطريق التي قطعوها، فإن ذلك يثير الكثير من الغضب".
وتربط د. نهاية عويضة بين الصعوبة في الاندماج وبين المساس في ثقة المجتمع العربي بالدولة، على وجه التحديد في المجالات التي يوجد فيها نقص في القوة العاملة. وخلصت د. نهاية عويضة في حديثها إلى القول : "يوجد هناك نقص في المعلمين ونقص في الأطباء، وأنت لا تسمح لي بأن أدخل إلى هذه المجالات؟ هذا يمس في ثقة المجتمع العربي بالدولة. لماذا لا تريد لي أن أكون جزءًا؟ هذا الأمر الذي يغضبنا. إذا كان هناك نقص، إذن ما المشكلة؟ لماذا يجب أن يكون العربي مجرد عامل نظافة أو عامل بناء؟ توجد لدينا رغبة في أن نساهم في الاقتصاد الإسرائيلي وأن نكون جزءًا منه، وهذا الأمر الذي يثير الاستياء والغضب".
في نهاية البحث تدعو د. نهاية عويضة صناع القرارات إلى تحمّل المسؤولية الوطنية، إتاحة مسارات استكمال وتشغيل للأخصائيين المحليين في الأماكن التي يوجد فيها نقص في القوة العاملة، وتوفير التمثيل الذي يتيح للنساء أن يندمجن وأن يشعرن بأنهن جزء متساوٍ ويساهم في الدولة.