
يجلس البروفيسور محمد الدجاني الداودي في فندق إمبريال، بالقرب من باب الخليل في البلدة القديمة في مدينة القدس. وقد بلغ سن الشيخوخة، الثمانين عامًا من عمره، إلا أنه ما زال يتذكر طفولته بين جدران الفندق، الذي انطلق منه في رحلات الترحال المادية والفكريّة حتى عاد إلى دياره. على مدار عقود من الزمن، يعمل محمد الدجاني الداودي على تعزيز المصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، "الاعتدال في داخل الصراع"، على حد تعبيره. وحتى من ذروة سن الـ – 80 عامًا وعلى الرغم من الوضع الأمني والسياسي، يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "أنا أؤمن بالأمل. أملي هو أن يتمكن أطفالنا في يوم ما من اللعب معًا".
ينتمي البروفيسور محمد الدجاني الداودي، مؤسس الحركة الفلسطينية للإسلام المعتدل ‘الوسطية‘، إلى سلالة عائلية بارزة في المجتمع الفلسطيني. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي بفخر : "اسم الداودي يأتي من الاسم الذي أُطلق على عائلة الدجاني، لأنهم كانوا حراس مقام الملك داود". وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "وقد تم تعيينهم من قبل السلطان سليمان القانوني في عام – 1525. ومنذ ذلك الحين، وحتى عام 1948، كنا حراس مقام الملك داود".
ولد البروفيسور محمد الدجاني الداودي في حي البقعة في مدينة القدس. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "في عام 1947، عندما بدأ الصراع يتخذ طابعًا عنيفًا، أرسل جدي العائلة إلى مصر من أجل البقاء مع شقيقه. كان جدي مبادرًا ورجل أعمال، وكانت له متاجر كثيرة في البلدة القديمة وفي غربي مدينة القدس. وقد اضطر إلى ترك كل شيء والانتقال للسكن في البلدة القديمة".
مع نهاية المعارك، عادت العائلة إلى مدينة القدس. وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "لم نتمكن من العودة إلى بيتنا في البقعة، بل وصلنا إلى البلدة القديمة وسكنا في المكان الذي يُعرف اليوم بـ ‘النُّزُل السويدي‘ (نُزُل نيوزويدين). لم يسمح جدي لأي عقبة أو خسارة بأن تحطمه، أو أن تحوله إلى لاجئ. وبنصيحة من جيرانها، توجهت زوجته إلى مكتب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا وقامت بتسجيل عائلتها كلاجئين. وعندما عاد جدي من العمل ورأى ما فعلته، أخذ البطاقات وقال : ‘أنا لستُ لاجئًا‘. هذا هو الدرس الذي علمنا إياه. أن تكون لاجئًا هي حالة ذهنية. إذا أردت أن تكون لاجئًا، فأنت تريد أن تكون معتمدًا على الآخرين؛ وإذا كنت لا تريد أن تكون لاجئًا، فأنت تعتمد على نفسك، ويجب عليك أن تبني نفسك بنفسك".
يروي البروفيسور محمد الدجاني الداودي أن جده رأى فندق ‘غراند هوتيل‘ الذي تم بناؤه في عام – 1884 مدمَّرًا ومأهولًا باللاجئين. وقد قام باستئجاره من البطريركية اليونانية ، قانم بترميمه وأقام فندق ‘إمبريال‘. وأصبح الفندق مؤسسة بارزة في البلدة القديمة. وتابع البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "كان الأشخاص الذين يريدون إقامة مهرجانات وحفلات زفاف يأتون إلى هنا، كان هذا هو المكان الوحيد الذي يقدم ذلك في سنوات الـ – 50 من القرن الماضي. أقنع جدي البلدية بأن تطلب من الملك حسين تمويل شارع الذي يربط بين باب المغاربة مع باب الخليل". وقد ازدهرت أعمال الجد وكان يمثل شركات أوروبية مختلفة.
في الوقت الحالي، يخوض البروفسور محمد الدجاني الداودي إجراء قانونيًا بشأن حقه في السكن في الفندق، الذي اشترته شركة وهمية في عام – 2005 لصالح جمعية ‘عطيرت كوهانيم‘ (تاج الكهنة). في ختام إجراء قضائي، الذي استمر منذ ذلك الحين، بهدف إلغاء البيع، تمت المصادقة النهائية على البيع في المحكمة في عام – 2022، ودخلت الجمعية اليهودية التي تشتري عقارات في شرق القدس إلى جزء من المبنى.
وواصل البروفيسور محمد الدجاني الداودي حديثه قائلًا : "نشأتُ في هذا الفندق. درستُ في المدرسة الأمريكية في مدينة رام الله، وكانت مدرسة تابعة لجمعية أصدقاء دينية (تيار صغير ومتدين في الديانة المسيحية الذي يؤمن بالسعي إلى السلام – ينيف شرون وأور غويتا). تعلمت هناك التفكير بمصطلحات التسوية. علمونا على التعاطف ، على التعاون. وكان عميد المدرسة، فريد تابري، الذي كان مسيحيًا، معتادًا على أن يقرأ في قاعة الاجتماعات يومًا واحدًا من العهد الجديد، ويومًا واحدًا من التناخ (الكتاب المقدس اليهودي – العهد القديم)، ويومًا واحدًا من القرآن الكريم. وهكذا نشأنا في ظل قيم متعددة الأديان".
نشاط في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وعقد من الزمن في الولايات المتحدة الأمريكية
بدأ دخوله المعترك السياسي مع دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "في بيروت بدأت سنة الراديكالية لدي. كانت هناك أحزاب سياسية نشطة جدًا. كان الجميع مناهضين للإسرائيليين، ودعوا إلى تدمير إسرائيل وإلى تحرير فلسطين".
وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "بعد هزيمة عام 1967، التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل هزيمة نفسية، هزيمة اجتماعية أيضًا. أصبح الانتصار على إسرائيل جزءًا من كرامة الناس. لقد فقدوا كبرياءهم بالهزيمة في عام – 1967. ونتيجة لذلك، انتقل الفلسطينيون من دعم الجيوش العربية التي تهاجم إسرائيل أو تحرر فلسطين، إلى دعم حرَكات التحرير الفلسطينية التي تنادي بتُحربر فلسطين".
انضم البروفيسور محمد الدجاني الداودي إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في عام – 1967. ومضى البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "كنت مثاليًا، وكان تحرير فلسطين هو الهدف الأسمى". ويتحدث البروفيسور محمد الدجاني الداودي بأنه بعد فترة من الزمن، بدأ الناس ينضمون إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بسبب المال، المكانة والوجاهة. وأردف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "في تلك الفترة بدأت أرى الكثير من الفساد. كنت معتادًا على جمع الأموال لصالح حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح عن طريق بيع التذاكر من بيت لبيت مقابل خمس ليرات لبنانية. رأيت أن أناسًا أخذوا 5,000 ليرة، من أجل تنظيم حفل زفاف. قلت لنفسي: ‘لحظة، هذه أموال استغرقتُ شهرين في جمعها وهم يقيمون بها حفل زفاف؟‘ لقد أثر ذلك عليّ كثيرًا".
في أعقاب ما رآه، قرر في عام – 1969 أن يترك حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح. وقد تم استدعاؤه لمحادثة مع كمال عدوان، أحد قيادات حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في ذلك الوقت، والذي شغل في وقت لاحق منصب نائب ياسر عرفات حتى تم اغتياله في عام – 1973. أقنعه كمال عدوان بأن لا يترك حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، بادعاء أنه إذا غادر فإن قوة الفاسدين سوف تزداد. واستطرد البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "كطالب في الجامعة، من السهل أن ترى الفساد، إلا أنه من الصعب أن تفهم كيفية محاربته. يجد الفقراء وغير المتعلمين في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ملجأ، طريقًا من أجل أن يكونوا ذوي تأثير وذوي ثراء. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم".
في عام – 1975 غادر البروفيسور محمد الدجاني الداودي إلى بريطانيا للدراسة. من هناك واصل طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بدعوة من اخيه منذر، وبقي فيها عشر سنوات. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية تشبه الخروج من كهف أفلاطون. عندما تكون مكبلًا بالأغلال مع الآخرين في داخل الكهف، فإنك تؤمن بما يؤمنون به. إلا أنك إذا كسرت أغلالك وخرجت من الكهف، فإنك ترى النور. أنت تدرك أن ما يوجد في الداخل هو مجرد تصور، وأن الواقع موجود في الخارج".
مع انتهاء دراسته حصل على تصريح بالعودة إلى الأردن، بناءً على طلب قدمه أفراد عائلته من الملك حسين. في الأردن أنشأ قسم العلوم السياسية والدبلوماسية في جامعة العلوم التطبيقية. في عام – 1993 حصل على الإقامة وعاد إلى مدينة القدس.
عمل البروفيسور محمد الدجاني الداودي مستشارًا في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وفي وقت لاحق في السلطة الفلسطينية. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "نجحتُ، على مدار عامين، في المساعدة في تأسيس وزارات السلطة الفلسطينية. أنشأتُ مؤسستين للإدارة العامة، واحدة في مدينة رام الله والأخرى في مدينة غزة. وقد قمنا بتأهيل وتدريب ما يزيد عن – 30,000 فلسطيني ليكونوا موظفي دولة في السلطة الفلسطينية".
يرفض البروفيسور محمد الدجاني الداودي الاتهامات الحادة الموجهة للخدمة المدنية الفلسطينية. وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "الفساد موجود في القمة، وليس متجذرًا في الأعماق. موظفو الدولة يرغبون في تأدية عملهم. بعضهم جيد، وبعضهم الآخر ليس كذلك. صحيح أنه يوجد هناك بالفعل الكثير من المحسوبية، والكثير من العشائرية، والمشكلة أن الفاسدين يعطون سمعة سيئة للجميع". ويوضح البروفيسور محمد الدجاني الداودي أنه في عام – 1996 صوّت الجمهور الفلسطيني لصالح حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، إلا أن "عرفات شجع الفساد ولم تسِر الأمور على ما يرام".
على حد أقواله، فإنه "في عام – 2006 صوّت الناس لحركة حماس كتصويت ضد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، إلا أنه تبين أن حركة حماس استخدمت الدين كسُلّم من أجل الوصول إلى السلطة. صَدّقهم الجماهير وساروا خلفهم، وهم، من أجل تعزيز قوتهم، جعلوا دينهم راديكاليًا. أنا أعتقد أن شباب حركة حماس شاركوا في مجزرة الـ – 7 من شهر تشرين الأول / أكتوبر لأنهم اعتقدوا أنهم ينفذون إرادة الله. لقد تم تعليمهم أن اليهود أثاروا غضب الله، ومن أجل أن يرضوا الله يجب عليهم أن يقتلوا اليهود".
"حركة حماس تفرق بيننا، و ‘الوسطية‘ توحدنا"
يتهم البروفيسور محمد الدجاني الداودي حركة حماس بتحريف آيات من القرآن. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "تتعرض الكثير من الآيات في القرآن إلى التحويل. في ‘الوسطية‘، نحن نُعلّم أن لكل شخص دينه. نحن نُعلّم التسامح، الحوار بين الأديان والتعاطف مع الآخر. توجد هناك قيم نتشاركها في ما بيننا، وأمور التي نحن نختلف عليها، القرآن يقول لنا أن الله في النهاية سوف يحكم بيننا. وهو إله غفور، وسوف يغفر لأولئك الذين تم تضليلهم".
يقتبس البروفيسور محمد الدجاني الداودي جملة التي تعتبر تلخيصًا لمبادئ الـ ‘وسطية‘، وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "الحروب تفرق بيننا، السلام يوحدنا"، ويربط بينها وبين واقع الحياة اليوم قائلًا: "حماس تفرق بيننا، والوسطية توحدنا".
كيف تبدو هذه الوحدة؟
"ذهبت إلى مستشفى عين كارم مع والدي من أجل أن يخضع للعلاج الكيميائي. رأيت أطباء يهودًا الذين يقدمون المساعدة في علاج فلسطينيين وعرب، مسلمين ومسيحيين. بدأت أرى الجانب الإنساني في الآخر. بدلًا من نحن أو هم، أصبحت رؤيتي نحن وهم".
يروي البروفيسور محمد الدجاني الداودي عن أحد الأحداث التي قادته إلى تأسيس حركة ‘الوسطية‘. يتذكر البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "كان ذلك في عام – 2007، وكنت علمانيًا في ذلك الحين، لم تكن لي أي علاقة بالدين". وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "في صباح أحد أيام الجمعة، كنت أراقب من شرفة بيتي حاجزًا إسرائيليًا. كان هناك المئات من الفلسطينيين الذين يتدافعون نحو الحاجز من أجل الوصول إلى مدينة القدس لأداء الصلاة. كان الجنود يدفعونهم إلى الخلف، لأنه لم تكن بفي حوزتهم تصاريح. ألقى الجنود عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، واعتقدت أنهم في نهاية المطاف سوف يطلقون النار عليهم. كان الناس مصممين. على الرغم من الغاز المسيل للدموع، إلا أنهم لم يتنازلوا".
وتابع البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "في نهاية المطاف، أحضر الجنود في الحاجز حافلات ركاب، وسمحوا للناس بعبور الحاجز، أجروا عليهم تفتيشًا، أخذوا منهم بطاقات هويتهم، ثم نقلتهم حافلات الركاب إلى مدينة القدس من أجل أداء الصلاة. حافلات الركاب قامت بإعادتهم إلى الحاجز بعد أداء الصلاة. استلم الناس بطاقات هويتهم وعادوا إلى بيوتهم".
ماذا كان مغزى هذه الحادثة بالنسبة لك؟
"بالنسبة لي، كان هذا وضع من الربح المتبادل win-win. لأن الفلسطينيين يرغبون في الذهاب إلى الصلاة من أجل أن لا تفوتهم صلاة الجمعة، في شهر رمضان، والإسرائيليون قلقون من أن يأتي هؤلاء الناس ثم يذهبوا إلى إسرائيل ويصنعوا قنابل. أدى الناس الصلاة ولم تكن هناك قنابل أو عنف. رغبت في أن أُنشئ حزبًا أو حركة تكون في وضع من الربح المتبادل win-win ، وهكذا بدأتُ في حركة ‘الوسطية‘".
معنى كلمة ‘الوسطية‘ هو المركز، أو الطريق الأوسط. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "في السورة الثانية من القرآن، سورة البقرة، توجد هناك 286 آية. الآية الوسطى تقول: ‘وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا‘. هذا يعني أن هناك وسطًا في الإسلام. لذا تبنينا ذلك من هناك وبدأنا حركتنا. في البداية، ركزنا على الإسلام لأنه لغة المجتمع الديني الفلسطيني، وفي وقت لاحق، ومن أجل التوجه إلى العلمانيين، تحدثنا أيضًا عن الاعتدال في الأديان المختلفة وعند مختلف الفلاسفة".
ماذا كانت طريقة العمل؟
"اعتدنا على عقد مؤتمر في كل عام يأتي إليه ما يقارب – 200 إمام وشيخ للتعلم عن ‘الوسطية‘. عملنا على تغيير في المناهج الدراسية الفلسطينية، إلا أن المشكلة هي أنه حتى لو قمنا بتغييرها، ولم تُغَيّر عقلية المعلمين، فلا يمكن التعليم. يمكن للمعلم أن يدخل إلى الصف وبدلًا من تدريس السلام، يدرّس الكراهية".
وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "لهذا السبب أنشأنا في عام – 2020 المدرسة الأوروبية الوسطية لحل النزاعات والسلام، في الجامعة الأوروبية في ألمانيا. يدرس هناك ما يقارب – 25 طالبًا جامعيًا، من بينهم إسرائيليون، رجال دين (حاخامات) وفلسطينيون وطالب واحد من مدينة غزة". وقد حاول أن ينشئ مدرسة مشابهة مع كليات موازية في جامعة تل أبيب وفي جامعة ‘الاستقلال‘ في مدينة أريحا، إلا أن "رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، ورئيس الجامعة في مدينة أريحا رفضا ذلك".
يضع البروفيسور محمد الدجاني الداودي ثقته في التربية والتعليم ويستوحي إلهامه من أفلاطون. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "عندما خاب أمله في الديمقراطية الأثينية التي حكمت على معلمه، سقراط‘ بأن يشرب السم، نظر إلى ما وراء المجتمع الأثيني وما وراء الديمقراطية. لم يكن ضد الديمقراطية، إلا أنه تفكر في الخلل الموجود فيها، وأجاب بأنه عندما يكون الناس من دون تعليم، تتحول الديمقراطية إلى غوغائية (ديماغوغية). وبدأ مسيرته الأكاديمية من أجل إثراء المجتمع بالتربية والتعليم. أنا أرغب في إثراء المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي من خلال التربية والتعليم على المصالحة وعلى التعاطف. حلمي هو أن أرى مدرسة لطلاب الدراسات العليا بروح ‘الوسطية‘، في إسرائيل وفي فلسطين".
هل يوجد هناك مكان لحركة ‘الوسطية‘ في المجتمع الفلسطيني وفي الساحة السياسية الفلسطينية؟
"الأيديولوجية الإسلامية الراديكالية لحركة حماس لا يمكن لها أن تتراجع إلا أمام أيديولوجية إسلامية معتدلة. يمكن هزيمة حركة حماس هزيمة عسكرية، ولكن إذا لم تهزمها هزيمة أيديولوجية، فإنك سوف تخسر. يريد أبناء حركة حماس دولة إسلامية من النهر إلى البحر، والمتطرفون الصهاينة يريدون دولة يهودية من النهر إلى البحر – أنا أؤمن بأن واحدًا من هذه الأمور لن يحدث، هذه أوهام وتخيلات من كلا الجانبين. يوجد هناك 7 ملايين أو 8 ملايين إسرائيلي في جانب، يهود، ويوجد هناك 7 ملايين إلى 8 ملايين مسيحي ومسلم في الجانب الآخر. ماذا تريدون أن تفعلوا بهم؟".
وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "لغة القوة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية، من أجل أن يصوت الجمهور الإسرائيلي لصالحها، تعزز الراديكاليين في الطرف الآخر. إنهما يغذيان بعضهما البعض. بينما يمهد الاعتدال الطريق إلى المفاوضات بحسن نية، التي تُعبّد الطريق نحو السلام".
المكتب تم تدميره، الزملاء صمتوا
من أجل التربية على التعاطف، بادر البروفيسور محمد الدجاني الداودي، بصفته محاضرًا في الجامعة، إلى تنظيم رحلة لطلاب جامعيين فلسطينيين إلى معسكر أوشفيتس. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "السبب في أخذي لطلابي الجامعيين إلى معسكر أوشفيتس هو من أجل أن يعتادوا على التعاطف، من أجل أن يذهبوا ليروا معاناة الآخر. كما أخذنا طلابًا جامعيين إسرائيليين إلى مخيم الدهيشة للاجئين، من أجل سماع قصة النكبة للاجئي عام – 1948، من أجل أن يستشعروا هم أيضًا التعاطف في قلوبهم. نحن نرغب في تحويل الأشخاص ذوي القلوب الحجرية إلى أشخاص ذوي قلوب بشرية من لحم ودم".
انضم 27 طالبًا جامعيًا إلى الرحلة إلى معسكر أوشفيتس، التي تم تنظيمها في عام – 2014. وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "هؤلاء الأشخاص يأتون من خلفية سلبية جدًا. قبل أن نبدأ قلت لهم أن يتركوا حمولة الماضي من خلفهم، وأن يأتوا بعقل مفتوح. في اليوم الأخير الذي كنا فيه هناك، نشرت صحيفة ‘هآرتس‘ تقريرًا صحفيًا عن الرحلة. طلبت منهم أن ينشروا التقرير الصحفي فقط بعد عودتنا، إلا أنهم نشروا التقرير بينما كنا لا نزال هناك. صحيفة ‘القدس‘ الفلسطينية ترجمت المقال إلى اللغة العربية. كانت هناك بعض الأخطاء في الترجمة. على سبيل المثال، كُتب أن جامعة تل أبيب هي التي مولت الرحلة بدلًا من جامعة فريدريك شيلر في ألمانيا، التي هي من مولت".
وتابع البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "بدأ الناس يقولون للطلاب، ‘هذا تطبيع، والتطبيع هو خيانة‘. أنا أدعي أن التطبيع من أجل تعزيز الاحتلال هو خيانة، إلا أن التطبيع من أجل إنهاء الاحتلال ومن أجل بناء جسور السلام مع معسكر السلام الآخر، هو ليس خيانة".
يعتقد البروفيسور محمد الدجاني الداودي أن الخطأ في الترجمة لم يكن بحسن نية. خرج الجدال إلى خارج حدود مدينة القدس وخارج حدود السلطة الفلسطينية وانتشر في العالم العربي كله. تعرض البروفيسور محمد الدجاني الداودي إلى هجوم في وسائل الإعلام، وقام مجهولون بتدمير مكتبه في الجامعة. نتيجة للضغط قدم استقالته من منصبه في الجامعة.
واستطرد البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "التقيت مع رئيس الجامعة وقدمت استقالتي. سألني عن السبب، فأجبت : ‘توجد لديكم مظاهرات في الخارج. قاموا بتدمير مكتبي. يوجد هناك أشخاص يهددونني‘. وأريته رسائل تهديد، فأخذها ورفض إعادتها. طلبت منه أن يغير بيان الجامعة، وأن يكتب أن ما قمت به كان جزءًا من العمل الأكاديمي، فقال : ‘لا أستطيع أن أفعل ذلك‘. كان هناك ضغط من الخارج، على سبيل المثال، كان رئيس مجلس الأمناء أحمد قريع (أبو علاء، أحد كاتبي اتفاقيات أوسلو – ينيف شرون وأور غويتا). الذي اتصل به وطالب بإقالتي".
وواصل البروفيسور محمد الدجاني الداودي حديثه قائلًا : "إن أكثر ما أثر عليّ بشكل سلبي كان صمت زملائي. بدأ بعض الزملاء يهاجمونني من أجل إرضاء الجامعة ومن أجل الادعاء بأن الطلاب الذين درسوا هناك تم إجبارهم على الذهاب. وهذا غير صحيح لأن 70 شخصًا تقدموا ترشيحهم، وقمنا باختيار 30 شخصًا من بينهم".
الحلم الكبير والأمل الصغير
يستخدم البروفيسور محمد الدجاني الداودي مصطلح ‘الحلم الكبير والأمل الصغير‘، الذي أخذه من مقابلة أُجريت مع الشاعر الوطني الفلسطيني محمود درويش في عام – 1996 في مجلة ‘نيو يوركر‘، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو. قال محمود درويش حينها إن ياسر عرفات اختار الأمل الصغير على حساب الحلم الكبير. ويتذكر البروفيسور محمد الدجاني الداودي أنه طرح هذا المصطلح في عام – 1997، في لقاء لِقادة دينيين يهود وفلسطينيين في أنطاليا، في تركيا.
يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "كان اللقاء يسير في شكل حوارات أحادية (مونولوجات) : كان الناس يتحدثون مع بعضهم البعض، إلا أنهم لم يستمعوا إلى بعضهم البعض. تذكرت كلمات محمود درويش، وسألت: ‘ما هو الأهم، حلم كبير أم أمل صغير؟‘ الحلم الكبير هو أن تستيقظ ذات صباح، وأن لا يكون الآخر موجودًا في الجوار. ولكن عندما تستيقظ تجد هناك ثمانية ملايين آخرين. ماذا ترغب في أن تفعل بهم؟ هل ترغب في أن ترميهم في البحر؟ فقالوا حينها : ‘لا‘. انتقلنا إلى الأمل الصغير، وهو أن نستيقظ ذات صباح وأن نكتشف أننا نعيش معًا كجيران، نساعد بعضنا البعض، نُعلّم بعضنا البعض، نتعلم من بعضنا البعض. وهكذا يمكننا أن نجلب أطفالنا إلى السلام".

ناشط سلام ينفخ فقاعات بالقرب من قرية قصرة الفلسطينية، شهر أيلول / سبتمبر من عام 2026 (تصوير : AP Photo / Majdi Mohammed)نقطة الانطلاق، بحسب رأي البروفيسور محمد الدجاني الداودي، هي الاعتراف المتبادل بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين. ومضى البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "الأمر الذي يجب القيام به هو أن تعترف الدولتان ببعضهما البعض كدولتين وكعضوتين في الأمم المتحدة. هذا الأمر سوف يمنح الشرعية لدولة إسرائيل من جانب الفلسطينيين، وللفلسطينيين من جانب الإسرائيليين. وهكذا يمكننا أن نمضي قدمًا إلى الأمام، من أجل العيش في المستقبل بدلًا من العيش في الماضي".
في ما يتعلق بالمواطنين العرب في إسرائيل، يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي "إنهم لا يجب عليهم أن يتعاملوا مع الإسلام كحاجز يفصل بينهم وبين المجتمع اليهودي. يجب عليهم أن يستخدموا الديانة المسيحية ودين الإسلام من أجل استخدامهما كجسور بين المجتمعين. وأنا أؤمن بأنهم يستطيعون أن يتبنوا مفهوم ‘الوسطية‘ في داخل هذه المجموعة، والتأكيد على فكرة عيش المجتمعين في سلام وفي انسجام".
"الانتخابات تحت الاحتلال سوف تؤدي إلى التصويت إلى الراديكاليين"
على الرغم من انتقاده له، يعتقد البروفيسور محمد الدجاني الداودي أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ما زال بإمكانه أن يوقّع على اتفاق سلام تاريخي بين الشعبين. يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "الفلسطينيون لا يؤمنون بأنه يوجد هناك شريك إسرائيلي للسلام، والإسرائيليون لا يؤمنون بأنه يوجد هناك شريك فلسطيني للسلام. إنهم لا يسمعون بعضهم البعض. يجب على الإسرائيليين أن يصنعوا السلام مع محمود عباس، فالتوقيع على السلام سوف يمنحه الشرعية".
على حد أقواله، فإنه "في نهاية المطاف سوف يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعلى الرغم من أنني لا أدعم أبو مازن وحاشيته، إلا أنه إذا حصل على الفضل في ذلك، فلن يبالي الناس بالفساد. الفساد موجود أيضًا في دول ديمقراطية. إذا اعتقد الناس أنه حقق ما وعد به، وهو الاعتراف بدولة فلسطينية، فسوف يُنظر إلى طريقه على أنه الطريق الصحيح".
يدرك البروفيسور محمد الدجاني الداودي حدود قيادة أبو مازن، إلا أنه لا يرى في الأفق بديلًا أفضل. وأضاف البروفيسور محمد الدجاني الداودي قائلًا : "محمود عباس وإن كان غير منفتح حقًا في ما يتعلق بحل الدولتين، وحتى بشأن التعليم عن المحرقة (الهولوكوست). لكن إذا تم إعطاء الصلاحية له قبل وفاته للاعتراف بدولة إسرائيل، وأن يكون رئيسًا لدولة فلسطين، فسوف يقود الطريق للآخرين للسير على خطاه. الإسرائيليون يريدون قائدًا مع شجاعة مثل نيلسون مانديلا، لكن البرغوثي مثلًا ليس نيلسون مانديلا، ولا يملك أي من القادة الآخرين الشجاعة للقيادة".
ما رأيك في الانتخابات المخطط لها أن تُنظًّم في السلطة الفلسطينية؟
"أنا أعتقد أن محمود عباس يستخدم هذا كمهدئ للشعب، لأن الوضع سيء جدًا. على وجه الخصوص في ظل الاقتحامات الإسرائيلية للضفة الغربية، الحصار الذي تفرضه إسرائيل، الفقر وغياب الرواتب. وأنا أعتقد أيضًا أن هذه الانتخابات لن تُجرى. في الماضي تم إلغاء الانتخابات لأن إسرائيل لم تسمح بذلك في شرق القدس. الآن، ليس لدينا فقط مشكلة مدينة القدس، بل مشكلة قطاع غزة".
على حد أقواله، يقول البروفيسور محمد الدجاني الداودي : "أنا لا أؤمن بأن الانتخابات شيء جيد تحت الاحتلال. هذا ليس ديمقراطيًا. الناس تحت الضغط والاحتلال لن يصوتوا كأناس أحرار، بل سوف يصوتون لصالح الراديكاليين. حركة حماس سوف تسيطر، والإسرائيليون يشجعون ذلك من أجل أن يكون لديهم مبرر لضم الضفة الغربية. الانتخابات في ظل دولة فلسطينية سوف تفرز أشخاصًا مختلفين تمامًا، أشخاصًا الذين يؤمنون بالديمقراطية، بالمفاوضات وبالدبلوماسية".
هل يوجد هناك حل للوضع في قطاع غزة؟
"يجب على إسرائيل تمكين سكان قطاع غزة الذين يعارضون التطرف، أي المعتدلين. يجب على إسرائيل تمكين التربية والتعليم ومنهج الـ ‘وسطية‘ للتعليم. في الانتخابات القادمة، يجب على الإسرائيليين أن يقرروا ماذا يرغبون : المستقبل أم الماضي. إذا كانوا يرغبون في المستقبل، فهو السلام. وإذا كانوا يرغبون الماضي، فهو الحرب".
ويتوجه البروفيسور محمد الدجاني الداودي في نهاية حديثه إلى الإسرائيليين قائلًا : "لقد بنيتم دولة عظيمة، فلا تدمروها. لا تجعلوا الناس يكرهونها ويفرضون عليها الحصار. المواطنون في إسرائيل اليوم في وضع أفضل من المواطنين في بريطانيا. بدلًا من إنفاق الأموال على الحروب وعلى الصراعات، قوموا ببناء جسور مع الناس".