
كلما اقترب موعد الانتخابات، يحاول ناشطون اجتماعيون في المجتمع العربي أن يشجعوا المشاركة في التصويت، وذلك على خلفية أجواء جماهيرية عكرة ومشاعر من خيبة الأمل ومن الاغتراب عن المنظومة السياسية. على حد أقوالهم، فإن الواقع السياسي والاجتماعي في السنوات الأخيرة يبعد جزءًا من الجمهور عن صناديق الاقتراع، إلا أنه لدى آخرين يثير بالتحديد الرغبة في التأثير.
تقول سندس عنبتاوي، وهي ناشطة في حراك "نقف معًا" : "الحكومة الحالية أهملت المجتمع العربي بشكل علني جدًا، والمجتمع العربي عانى بشكل كبير". على حد أقوالها، فإنه كان لسياسة الحكومة تأثير مضاعف بل ومتناقض على الجاهزية للمشاركة في الانتخابات. وأضفت سندس عنبتاوي قائلة : "يوجد هناك الكثير من الناس الذين لا يرغبون في الخروج إلى التصويت، بسبب القمع الذي يمرون به. في هذه الفترة، تغير هذا الأمر، فالقمع يشجع الرغبة في الخروج وفي التصويت".
تشير سندس عنبتاوي إلى الجريمة التي تستشري، إلى الأجواء الجماهيرية، إلى إلغاء ترشح سامي أبو شحادة من التنافس في الانتخابات وإلى تصريحات السياسيين اليهود كعوامل التي تقمع الرغبة في التصويت. مع ذلك ، تعتقد سندس عنبتاوي أنه لا يجب الاستسلام لهذا الوضع. وتابعت سندس عنبتاوي قائلة : "نحن، كمجتمع عربي، لا يجب علينا أن نتقبل هذا الوضع كأنه قدر محتوم . المجتمع العربي خائب الأمل بشكل كبير، ويعاني. لقد حان الوقت من أجل أن نأخذ المسؤولية كمجتمع عربي على مستقبلنا. الأداة التي نملكها بين أيدينا هي أن نصوّت وأن نشارك في صياغة المستقبل".
إلا أن إصرار سندس عنبتاوي يواجه في كثير من الأحيان بالاغتراب من جانب الشباب العرب. وواصلت سندس عنبتاوي حديثها قائبة : "يوجد هناك الكثير من الشباب الذين يقولون : 'نحن لسنا بخير في الدولة ، ولا يهمنا الآن أن نصوت'". بعد عشرات المحادثات واللقاءات، تعتقد سندس عنبتاوي أن التعامل مع عدم الثقة يستوجب عملًا عميقًا ومتواصلًا، الذي لا يقتصر على فترة الانتخابات.
واستطردت سندس عنبتاوي قائلة : "يجب الاستثمار في التربية والتثقيف السياسي، من أجل أن يفهموا إلى أي حد هو مهم أن يخرجوا إلى التصويت . أنا أعتقد أنه يوجد هناك الكثير من الشباب الذين يحتاجون إلى ذلك. الشباب، الذين يصوتون لأول مرة ، إذا لم يحصلوا في البيت على تربية وتثقيف سياسي، فهم، على ما يبدو، لن يخرجوا إلى التصويت".
"لا يوجد أي أحد يتقبلنا"
يقول سليمان العمور، مدير عام شريك في منظمة أجيك – معهد النقب : " الشباب فقدوا الثقة بمنظومات الدولة". على حد أقواله، فإن ما يقارب – 250 ألف شاب عربي من المتوقع أن يصوتوا لأول مرة أو لثاني مرة. وهو يشعر بالإحباط من أن المنظومة السياسية لا تقترح عليهم حلاًً مرضيًا وكافيًا لاحتياجاتهم ولطموحاتهم.
وأضاف سليمان العمور قائلًا : "لا يوجد أي سياسي يوجه لهم خطة. لا يبث لهم، أنه توجد لديه خطة من أجلهم، خطط توجيه تشغيلي، توجيه أكاديمي، خطط من أجل القضاء على الجريمة وعلى العنف".
إلى الشعور بالتجاهل، على حد أقواله، ينضم أيضًا الإقصاء عن إمكانية المشاركة في السلطة وفي الحكم. وتابع سليمان العمور قائلًا : "الشباب يقولون : 'سياسيو اليسار والوسط لا يرغبون بنا في الحكومة، لا يهم إذا صوتنا للديمقراطيين أو صوتنا للقائمة المشتركة، أو للقائمة العربية الموحدة. لا يهم ماذا نفعل، لا يوجد أي أحد يتقبلنا'".
حتى الطريق إلى صندوق الاقتراع هي عائق أيضًا
إلى جانب عدم الثقة بالمنظومة السياسية، يشير سليمان العمور إلى صعوبات عملية التي تمنع السكان من ممارسة الحق في التصويت، على وجه الخصوص في القرى غير المعترف بها في النقب. وواصل سليمان العمور حديثه قائلًا : "لا يوجد صندوق اقتراع متاح وسهل الوصول، لا توجد وسائل نقل عامة. شريحة كبيرة من الجمهور التي لا تقوم بالتصويت هي شريحة النساء في القرى غير المعترف بها في النقب بسبب عدم وجود إتاحة وإمكانية للوصول".
بالنسبة لقسم من السكان، فإن الوصول إلى صندوق الاقتراع منوط بالتنازل عن ساعات عمل أو عن وقت الذي هو مخصص للرعاية في البيت وفي العائلة. تضع الصعوبات اليومية التصويت في مكان متدنٍ في سلم الأولويات، على وجه الخصوص عندما لا تكون هناك ثقة في الأساس في قدرته على إحداث تغيير. واستطرد سليمان العمور قائلًا : "يوجد هناك تحليل للواقع من خلال إدارة المخاطر وإدارة التعقيدات. الادعاء هو أن الانتخابات لم تقدم المساعدة في الماضي، ولم تقدم المساعدة في الوقت الحاضر، وعلى ما يبدو فإنها لن تقدم المساعد في المستقبل أيضًا".
يتم نسب سكان القرى غير المعترف بها في النقب إلى صناديق الاقتراع وفقًا لانتمائهم العشائري، حتى عندما يكون صندوق الاقتراع موجودًا على مسافة بعيدة جدًا عن مكان سكنهم. يعتقد سليمان العمور أن الحديث يدور عن مشكلة التي كان يجب التعامل معها قبل وقت طويل جدًا من الانتخابات. وأردف سليمان العمور قائلًا : " يجب أن يتغير هذا الأمر". ومضى سليمان العمور يقول : "هذا العمل كان يجب أن يكون قبل سنتين وثلاث سنوات. الآن الوقت متأخر جدًا".
إلا أن الشعور بالاغتراب الذي يتحدث عنه سليمان العمور لا ينبع فقط من عدم وجود إتاحة وإمكانية الوصول أو من الإهمال المتواصل. يثور سليمان العمور أيضًا ضد الادعاء الذي مفاده أنه، في أعقاب أحداث الـ – 7 من شهر تشرين الأول / أكتوبر، لا يمكن إشراك حزب عربي في الائتلاف. على حد أقواله، فإن هذا الادعاء يثير الغضب على وجه الخصوص على ضوء الثمن الذي دفعه المواطنون العرب في الحرب والجهود التي تم بذلها من أجل المحافظة على الحياة المشتركة.
وأضاف سليمان العمور قائلًا : "كيف يرتبط المجتمع العربي بالسابع من شهر تشرين الأول / أكتوبر؟ هل نحن من قمنا بتنفيذ السابع من شهر تشرين الأول / أكتوبر؟ هل نحن من قمنا بالتخطيط للسابع من شهر تشرين الأول / أكتوبر؟ نحن دفعنا ثمنًا بالقتلى ، بالمخطوفين وبالجرحى. البدو عرّضوا حياتهم إلى الخطر وذهبوا من أجل إنقاذ يهود. من تضرر من صواريخ حركة حماس ومن صواريخ إيران هم سكان القرى. القيادة السياسية عملت ساعات إضافية، من أجل تهدئة الوضع ونجحت في ذلك. جميعنا رغبنا في أن نبدأ في أن نكون مجتمعًا مشتركًا من باب المسؤولية والشراكة. هذا يثير جنون الشباب. كيف بعد عمل جيد إلى هذا الحد كهذا في أكبر أزمة للدولة، يتم التعامل معنا بمثل هذا الشكل؟".
على الرغم من النقد الحاد، إلا أن سليمان العمور يؤكد على أن الطريق إلى التعامل مع الواقع السياسي لا تزال تمر من خلال صندوق الاقتراع. وتابع سليمان العمور قائلًا : "التعامل الوحيد لديهم هو عن طريق الانتخابات"، إلا أنه يتحفظ قائلًا : "هذا ليس اختيارًا بين الجيد وبين السيء، هذا ليس اختيارًا بين الجيد وبين الجيد جدًا، هذا اختيار بين السيء وبين الأقل سوءًا ".
واختتم سليمان العمور حديثه بالقول : "هذه هي الأداة الديمقراطية في الدولة، وبمساعدتها نغير الحكومة. هذا هو الأمر الوحيد الذي لا يزال متبقيًا لنا حتى الآن، أن الصوت العربي والصوت اليهودي متساويان. هذه هي الطريق الوحيدة، للتأثير على الوضع. المطالبة الآن هي في الأساس من أنفسنا : 'قم وافعل شيئًا، قم وتحمّل المسؤولية'".