
كان خضر وشاح في الصف الرابع عندما شاهد مشهدًا لم يستطع نسيانه. ففي طريق عودته من المدرسة، رأى ابنة عمّه تخرج من البيت والنيران تشتعل في جسدها. كان طفلًا آنذاك، لكن تلك الذكرى لازمته حتى بعد أن كبر. وعندما بلغ الخامسة والعشرين، قُتلت عمّته مع أفراد آخرين من العائلة. وإلى جانب الألم والرعب اللذين خلّفتهما هذه الأحداث، بقي في ذاكرته أيضًا الصمت الذي أحاط بها: أمور لم يُتحدّث عنها، وأسئلة لم تُطرح، وحزن لم يُعبَّر عنه علنًا.
بعد عقود، يختار وشاح، الفنان والمربّي المقيم في رهط، العودة إلى تلك الذكريات من خلال الفن. ففي معرضه الفردي "حُكم"، المعروض في جاليري القسوم في قرية أم بطين بالنقب، يتناول العنف ضد النساء وقتلهن، ويتطرق إلى آليات السلطة والصمت التي تسمح باستمرار هذه الظواهر.
تضم المعروضات لوحات كبيرة الحجم، إلى جانب أعمال فنية يستخدم فيها وشاح فساتين فلسطينية تقليدية كانت ترتديها النساء في الماضي. فهو يفكك الأقمشة ويفصل التطريزات، ثم يوظفها في أعماله. وهكذا تتحول عملية تفكيك الفساتين إلى فعل فني يكشف ما ظلّ مخفيًا داخل الأسرة والمجتمع، ويمنحه حضورًا ملموسًا، بألوانه وما يحمله من ألم.
"ليس من السهل عليّ، بصفتي رجلًا، أن أتناول هذا الموضوع علنًا في المجتمع"، يقول عن قراره التطرق إلى القضية. "لا يتحدثون عن ذلك حتى داخل البيت، ولا يتلقّون التعازي، ويتصرفون وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الألم يبقى".
"العائلة الممتدة لا تريدني أن أتحدث عن ذلك"
وُلد وشاح عام 1966 في مخيم البريج للاجئين في قطاع غزة، لعائلة نزحت عام 1948 من قرية بيت عفّا. وفي عام 1985، سافر إلى الولايات المتحدة للدراسة، ثم تزوج جوهر عام 1989 وانتقل معها للعيش في رهط. تتنقل سيرته بين هويات وفضاءات فلسطينية وعربية وبدوية وإسرائيلية، وتنعكس العلاقات المعقدة بينها في أعماله الفنية أيضًا.
ليس تناول قتل النساء موضوعًا جديدًا في أعماله، لكن عرضها أمام المجتمع العربي البدوي في النقب يشكّل بالنسبة إليه خطوة بالغة الأهمية. فعلى مدى سنوات، أبقى بعض أعماله في المرسم، خوفًا من ردود الفعل تجاهها، ومن تبعات عرضها على أفراد عائلته.
"على مدى سنوات، بقيت الأعمال في المرسم، ولم أرغب في عرضها في المجتمع الإسرائيلي، لأنها تتناول الموضوع من زاوية مختلفة، ولم أرد أن أُلحق الأذى بنفسي أو بالمقرّبين مني"، يروي وشاح.
حتى داخل عائلته، لا يتقبل الجميع قراره بالتحدث عن القضية. يقول: "استغرق مني الأمر وقتًا طويلًا حتى تحلّيت بالشجاعة وتحدثت عن ذلك. العائلة الممتدة لا تريدني أن أتحدث عن هذا الموضوع. إنه موضوع لا يريدون الحديث عنه أو مناقشته، ولا يريدون فتحه أصلًا".
لكن هذا الصمت، بحسب قوله، هو جزء من المشكلة. ويسعى وشاح إلى التشكيك في التفسيرات الاجتماعية السائدة لجرائم القتل، وفي استخدام مصطلح "شرف العائلة"، الذي يرى أنه يخفي أحيانًا دوافع أخرى مختلفة تمامًا.
يقول: "يتحدثون عن "شرف العائلة"، لكن بحسب ما توصلت إليه من خلال أبحاثي، ارتكب القتلة جرائمهم لأسباب تتعلق بالميراث أو برفض الزواج، وغيرها من الدوافع التي تُخفى تحت هذه المظلة للتستر على الأسباب الحقيقية". ويضيف أنه يشعر بأن كثيرًا من القتلة لا يُعاقبون. "يؤلمني التفكير في كيفية شعوري بالأمان على بناتي وزوجتي وأخواتي وعمّاتي".
رغم أن تجربة وشاح الشخصية ومجتمعه تشكّل نقطة انطلاقه في تناول القضية، فإنه يرفض حصر العنف ضد النساء في المجتمع العربي. فهو يرى أن هذه الظاهرة تتجاوز حدود الدول والثقافات والأديان، وأن مواجهتها تتطلب جهدًا أوسع.
"أنا لا أتحدث عن قتل النساء في المجتمع العربي فحسب، بل عن قتل النساء في جميع أنحاء العالم. فالمرأة امرأة، والأم أم، ولا يمكن النظر إلى النساء من منظور العِرق أو الدين أو القومية فحسب"، يقول. "هذه الظاهرة موجودة في جميع المجتمعات، الغربية وجنوب الآسيوية والأفريقية. جرائم القتل هذه لا تتوقف، وكل ما نسمعه يعيدني إلى ما عشته منذ طفولتي".
فستان تتناثر أجزاؤه، وذاكرة تنكشف
يبرز اهتمام وشاح بالنساء والذاكرة في سلسلة أعماله "هاجر". استخدم في هذه السلسلة فساتين فلسطينية تقليدية قديمة جمعها على مر السنين. وبدلًا من الاحتفاظ بها كما هي، يفككها ويستخدم أجزاءها في ابتكار أعمال فنية جديدة.
هذه الفساتين التي ارتدتها النساء في الماضي، وزيّنّها بتطريزهن، تكتسب من خلال أعمال وشاح حياة جديدة. فالقماش والتطريز ليسا مجرد خامات فنية، بل يحملان شهادة على حضور النساء وتراثهن وذاكرتهن. ومن خلال هذه الأعمال، يمنح وشاح مساحة للتعبير عن النساء اللواتي لم يُتح لهن إيصال أصواتهن، وعن الألم الذي بقي بعد إسكات حكاياتهن.
"بصفتي جامعًا للفساتين الفلسطينية القديمة، قمت بتفكيكها"، يروي وشاح. "أخذت ما ترمز إليه هذه الفساتين وما بذلته النساء في تطريزها، وعرضته في أعمالي. وهذا ما منحني شعورًا حقيقيًا بالرضا، كفنان وكإنسان، وأتاح لي أن أتنفس قليلًا. فعلى الأقل، أخرجت إلى العلن ما أردت قوله".
يحمل اختيار تفكيك ثوب تقليدي دلالات خاصة. فالفستان تعبير عن الهوية الثقافية وحرفة يدوية توارثتها الأجيال، لكنه يتحول في أعمال وشاح أيضًا إلى وسيلة لطرح سؤال حول مكانة المرأة في المجتمع الذي يحافظ على هذا التراث. فهو لا يتخلى عن جمال القماش والتطريز، بل يوظفهما للكشف عمّا يختبئ وراءهما.
من يحكم، ومن يسيطر، ومن يدفع الثمن؟
يجمع عنوان المعرض، "حُكم"، الأسئلة التي تشغل وشاح. فالكلمة العربية تحمل معاني متعددة، منها السلطة والقضاء والصلاحية والفصل في القضايا وإصدار الأحكام. وهذا التعدد ليس من قبيل الصدفة، بل يتيح طرح تساؤلات حول من يمتلك سلطة اتخاذ القرارات بشأن حياة الآخرين، ومن يمنحه هذه السلطة، ومن يتحمل تبعاتها.
ويوضح القيّم على المعرض، راز غلوزمان، أن اختيار هذه الكلمة يهدف إلى إبقاء هذه الأسئلة مفتوحة. ففي أعمال وشاح، لا تقتصر هذه الأسئلة على العلاقات بين الرجال والنساء، بل تتناول أيضًا القوة السياسية والسلطة والقمع.
من أبرز الأعمال في المعرض لوحة زيتية يزيد طولها على ثلاثة أمتار، استوحاها وشاح من أحداث الربيع العربي. يظهر في وسطها محمد البوعزيزي، بائع الخضار التونسي الذي أضرم النار في جسده احتجاجًا على المعاملة المهينة التي تعرّض لها من السلطات، وكان إقدامه على ذلك أحد الأحداث التي أشعلت موجة الاحتجاجات في العالم العربي.
تُظهر اللوحة البوعزيزي ممددًا على سرير في المستشفى، بعد إصابته بحروق بالغة. وإلى جانبه تقف امرأة ترتدي زيًا تقليديًا يغطيها من رأسها حتى أخمص قدميها، وبجوارها لافتة باللغتين العبرية والإنجليزية تدعو إلى الحرية والسلام. ويرى غلوزمان أن عرض هذا العمل اليوم يربط بين صرخة سياسية أُطلقت قبل أكثر من عقد والواقع الاجتماعي والسياسي الراهن.
ورغم أن اللوحة جاءت استجابة لحدث تاريخي محدد، فإن الأسئلة التي تطرحها حول الإذلال والسلطة والحرية لا تزال، بحسب غلوزمان، راهنة. ويُبرز الربط بين الأعمال المختلفة امتداد موضوع المعرض من العنف ضد النساء داخل الأسرة والمجتمع إلى علاقات القوة التي تشكّل حياة الأفراد في المجتمع ككل.
فن في قلب القرية، بجوار مركز رعاية الأم والطفل
للمكان الذي يُعرض فيه المعرض دلالة أيضًا. فقد سبق أن عُرضت أعمال وشاح في مؤسسات فنية، من بينها متحف مشكن للفنون في عين حرود وجاليري أم الفحم للفنون. لكن هذه المرة، تصل أعماله للمرة الأولى في عرض فني بارز إلى قلب المجتمع العربي البدوي في النقب.
تقع جاليري القسوم في مبنى المركز الجماهيري في أم بطين، بالقرب من مرافق الخدمات العامة، مثل مركز رعاية الأم والطفل ومكتب التشغيل. ويتيح موقعه إقامة صلة بين الفن والحياة اليومية للسكان، بمن فيهم أولئك الذين لا يعتادون زيارة المتاحف وصالات العرض الفنية.
يقول غلوزمان: "كثير من الذين يزورون الجاليري لم يسبق لهم دخول صالة عرض فنية، وآخرون لم يسبق لهم زيارة قرية بدوية". ويضيف أن الجاليري يستقطب زوارًا من خارج القرية والمجلس الإقليمي أيضًا، من بينهم سكان رهط وكسيفة وبئر السبع ومصيفي رامون. وتُقدَّم الجولات الإرشادية باللغتين العربية والعبرية، كما يتيح موقع الجاليري داخل مبنى المركز الجماهيري الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، لا ترتاد عادةً المؤسسات الفنية الكبرى.
بالنسبة إلى وشاح، لا يقتصر عرض أعماله في أم بطين على إتاحة الفرصة أمام جمهور أوسع للتعرّف إلى فنه، بل يتيح له أيضًا طرح الأسئلة الصعبة في قلب البيئة الاجتماعية التي ينشط فيها، ودعوة الزوار إلى مواجهتها عن قرب.
الفن يُحدث تغييرًا اجتماعيًا
لا يقتصر إيمان وشاح بقدرة الفن على إحداث تغيير على أعماله الفنية فحسب. فمنذ نحو عشرين عامًا، يدرّس ويدير تخصص الفنون في المدرسة الثانوية الشاملة في شقيب السلام، وهو التخصص الذي أسّسه، وتخرّج فيه على مر السنين مئات الطالبات والطلاب. وبحسب قوله، لا ينفصل التدريس عن الإبداع الفني، بل يشكّل جزءًا من الرؤية ذاتها. فهو يرى في الفن وسيلة لتوسيع آفاق الشباب، وتحفيزهم على التفكير المستقل، وتشجيعهم على إعادة النظر في الواقع المحيط بهم.
ويواصل خريجو التخصص ممارسة الفن، بل إن بعضهم يعملون أيضًا في تدريس الفنون في المدارس. ويروي وشاح بفخر أنه على مدى سنوات، كانت الطالبات هنّ الأكثر إقبالًا على التخصص. لكن هذا الواقع بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، إذ ازداد أيضًا عدد الفتيان الراغبين في الالتحاق به. يقول: "في كل عام، يمارس خريجو التخصص، الذين يتراوح عددهم بين 17 و21 طالبًا، الفن. ومن الممتع أن أراهم، وأن أدعمهم وأبقى على تواصل معهم بشأن مختلف الأمور".
ويتعرّف طلابه أيضًا إلى أعماله الفنية خارج المدرسة. فهم يشاهدون أعماله في الكتب وعلى الإنترنت، ويطلبون منه أحيانًا اصطحابهم إلى المعارض التي يشارك فيها. وتتيح لهم هذه التجربة رؤية كيف تتحول القضايا الاجتماعية والسياسية إلى أعمال فنية.
لا يدّعي وشاح أن أعماله الفنية قادرة على إيجاد حل للعنف ضد النساء. فهو يسعى، قبل كل شيء، إلى كسر حاجز الإنكار، وإفساح المجال للتعبير عن الألم، والتشكيك في الأعراف السائدة التي تسمح باستمرار الصمت. ويقول: "دور الفن هو أن يكون مرآة للعصر الذي نعيش فيه، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية. ومن واجبنا كفنانين أن نعرض الأمور بوضوح وصراحة، لأنه إذا تستّرنا على الحقيقة إرضاءً للمجتمع، فما دور الفن إذًا؟ يجب أن يكون الفن قويًا وعادلًا".
بعد عقود حمل خلالها وشاح ذكرى ابنة عمّه وألم جريمة القتل التي طالت أفرادًا من عائلته، يختار اليوم ألّا يُبقي هذه القصص حبيسة المرسم أو البيت. بل يضعها أمام الجمهور، حتى وإن أثار ذلك اعتراضًا، ويسعى إلى تحويل التأمل فيها إلى حوار لم يعد بالإمكان تجنّبه.
يقول: "ليس دوري أن أجد حلولًا، بل أن أطرح الأسئلة". ولعل أهم هذه الأسئلة، وربما أبسطها، هو السؤال الذي يوجّهه إلى نفسه وإلى المجتمع من حوله: "لماذا نقبل بهذا بصمت؟"